fbpx
أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / قطار «مسافر ليل».. مغامرة تكشف عن مخرج قادم / محمد الروبي

قطار «مسافر ليل».. مغامرة تكشف عن مخرج قادم / محمد الروبي

المصدر / محمد سامي موقع الخشبة

تعد مسرحية «مسافر ليل» التى كتبها الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور عام 1968 من أشهر أعماله المسرحية، وأكثرها درامية. وحين نقول «أكثرها درامية» فنحن نقصد قدرته على تطويع الشعر فى خلق حالة درامية أهم ما يميزها هو الصراع دون أن يطغى الشعر بما له من سمات خاصة (ذاتية) على شخوص تتمتع بالتنوع وعلى أحداث تتطور تصاعديا.

وقد سبق لهذه المسرحية أن قدمت عشرات المرات سواء على الخشبات المصرية أو العربية، لأنها- وتلك ميزة أخرى- تحاكى واقعا عربيا ما زالت ترزح أغلب أقطاره تحت ما تفضحه المسرحية، عوالم تتحكم فيها ديكتاتوريات بأثواب مختلفة، وتعانى منه شعوب ساهمت نخبتها بقدر أو بآخر فى ترسيخ معاناتها.

الآن، يعاد تقديم هذا النص برؤية مخرج شاب هو محمود فؤاد صدقى، الذى غامر بأن وضع متفرجه مع عامل التذاكر والراكب داخل عربة قطار صممها ببراعة فى ساحة أمام مسرح الهناجر. وأظن أنها المرة الأولى- حسب ذاكرتى المسرحية- التى يقدم فيها العرض بهذا الشكل. وأظن أيضا أن الشاعر الراحل كان سيفرح كثيرا لو عرف أن شابا جمع شخصيات نصه والجمهور داخل عربة. فها هو فى أولى إشاراته المسرحية يشير إلى ذلك، حيث يؤكد على أن «المنظر: عربة قطار، تندفع فى طريقها على صوت موسيقاها».

وإن كان يعلم- آنذاك- أن ما يشير إليه صعب التحقق. لكن ها هو شاب يلتقط ما قصده الشاعر حين جعل شخصيته الثالثة (الراوى) ممثلا للجمهور، أو للدقة لبعض منه، فهو حسب وصف عبدالصبور: «مرتديا حلة عصرية بالغة الأناقة، وردة، أو رباط عنق لامع، أو سوار ذهبى، أو كل هذه الحلى والذواقات، وجهه ممسوح بالسكينة الفاترة، صوته معدنى مبطن باللامبالاة الذكية».

هذه الصفات التى حرص عليها الشاعر، كانت هى مفتاح اختيار المخرج لأن يجمع جمهوره مع الشخصيات داخل عربة، مؤكدا بذلك على جانب آخر قصده الشاعر وهو جانب الإدانة للراوى، ومن ثم للجمهور، الذى اكتفى بالمشاهدة والتعليق والسخرية وكأن الأمر لا يعنيه، بل ويلبى طلب الطاغية «عامل التذاكر» بأن يحمل جثة الراكب بعد أن قتله، متعللا فى ذلك بـ: «ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ فى يده خنجر وأنا مثلكمو أعزل، لا أملك إلا تعليقاتى؟».

داخل العربة وبعد أن يجلس الجمهور على المقاعد التى جاءت بميل يتيح لكل منهم مشاهدة ما يدور من أحداث بين الشخصيتين «الراكب وعامل التذاكر»، يظهر الراكب يبحث عن مقعد ثم يختار ذلك الكائن فى منتصف العربة الذى صمم بطريقة تتيح مع المقعد المقابل مساحة أكثر اتساعا تتيح للممثلين الحركة بأريحية.

بعد قليل سيظهر الراوى (جهاد أبو العينين) يحدثنا مباشرة عن «بطل روايتنا» يصف ما يقوم به من أمور طبيعية لراكب متعب ملول (مصطفى حمزة). ومن بعده تتوالى الأحداث التى سيتحول خلالها عامل التذاكر إلى طاغية يمهد للراكب (ولنا بالطبع) أن قتله، ومن ثم قتلنا، أمر مجبر عليه كى تستمر الحياة!

كذلك سيهتم المخرج وهو نفسه مصمم المنظر أن تأتى إضاءة عرضه من داخل العربة ومن خارجها، ليكتمل الإحساس بأننا بالفعل نستقل عربة قطار تسير بنا إلى حيث ستأخذنا الأحداث، محققا بذلك المعنى الحقيقى لوصف «السينوغرافى». وأظن أن المخرج وبما لمسناه من طريقته فى التفكير لتفسير نص عبدالصبور كان يطمح إلى أن يأتى تنفيذ العربة بما يسمح لها بالحركة أو على أقل تقدير الإيهام بأنها تتحرك. لكن اليد القصيرة وقفت بالتأكيد أمام استكمال ما نظن أنه طمح إليه.

فى مكان بهذا الضيق لا يتيح للممثلين حركة واسعة، لا بد وأن نتوقف كثيرا أمام أدائهم البارع الذى جاء كاشفا لفهم عميق لما يطرحه النص، ومن بعده رؤية مخرجه، سواء مصطفى حمزة (الراكب) بجسده النحيف وتعبيرات وجهه التى تعكس مزيجا من البلاهة والاستذكاء وارتباكاته الكاشفة عن استسلامه للمقدر والمكتوب. أو جهاد أبوالعينين (الراوى) الذى اجتهد فى أن يعكس تصور صلاح عبدالصبور عن ذلك (المثقف) صاحب الحياد الكذوب والصوت المعدنى وسخريته السمجة من أحداث ستطوله حتما مهما تصور أنها بعيدة عنه. أو علاء قوقة (عامل التذاكر) الذى استحق عن أدائه وبجدارة جائزة أفضل ممثل فى المهرجان القومى للمسرح. فعلاء فى هذا العرض عزف سيمفونية أداء تشى بمدى فهمه للأبعاد المتعددة لشخصية عامل التذاكر الذى هو عشرى السترة، ديكتاتور كل زمان من الإسكندر إلى هانيبال إلى تيمورلنك إلى هتلر وغيرهم. فهو يتلون بمهارة أفعى، ويتحدث بابتسامة قاتل محترف، ويسخر بحرفية كاذب اعتاد أن يقلب الحقائق. وهو فى كل ذلك ينجح فى تقطيع حوار صلاح عبدالصبور الشعرى تقطيعا يزيده سلاسة ويفرغه من إيقاعاته التى كان من الممكن أن توقع أى ممثل فى فخ رتابة يفرضها الجرس الشعرى.

لكل ذلك وغيره الكثير، يمكننا القول إن عرض «مسافر ليل» المقدم فى ساحة الهناجر، يهدينا مخرجا على الطريق، مغامرا دون حمق، طموحا وفق إمكانات إنتاجية محدودة، والأهم أنه صاحب رؤية فى نص سبق أن قدم كثيرا. الأمر الذى يجعلنا نثق فى أن محمود فؤاد صدقى سيكون خلال السنوات القليلة المقبلة أحد مخرجى المسرح المصرى الكبار.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.