الرئيسية / عين على المسرح العربي / في مسرح العرائس نرتقي بوعي الطفل ونلامس مشاعره … هنادة الصباغ نعي تماماً أهمية المسرح ونحن بحاجة إلى تفعيله وتطبيقه / سوسن صيداوي

في مسرح العرائس نرتقي بوعي الطفل ونلامس مشاعره … هنادة الصباغ نعي تماماً أهمية المسرح ونحن بحاجة إلى تفعيله وتطبيقه / سوسن صيداوي

المصدر / الوطن / نشر محمد سامي موقع الخشبة

في الحب والدمية علاقة تبادلية، منها الخيال، منها نوسّع الإدراك، منها يسهُل التعلّم والتعليم، عبرها يصبح التلقين والتمييز بين الصح والخطأ أمراً في غاية السهولة والبساطة، والأهم من هذا كلّه، من خلال هذين العنصرين الحب والدمية لن نكون غرباء عن طفلنا، والاقتراب منه لن يكون معقداً أبداً، بل العكس هو الصحيح. إذا(الدمى هي أشياء تحب… فتبث الحب)هذه العبارة طُبعت على بروشور مسرحية حياة من ورق، عبرها نؤكد أننا اليوم نحن بحاجة إلى أساليب فاعلة حقا ومجدية ومسابقة للزمن لتربية طفلنا الخارج من حرب الأزمة كي يساعدنا على بناء سنين قادمة لوطننا سورية. ومن هذا الكلام ومن العبارة المذكورة أعلاه والتي تخص الفنانة هنادة الصباغ، نقدم لكم حوارنا معها- خريجة كلية الفنون الجميلية قسم النحت وحاصلة على ماجستير في تصميم الدمى من روسيا- منطلقين في الحديث بداية عن ورشة لصناعة الدمى وتحريكها أقيمت مؤخراً في تونس، ومن بعدها التسليط على العديد من النقاط المهمة حول مسرح العرائس وضرورته الملحة.

بداية حدثينا عن ورشة صناعة العرائس التي شاركت بها مؤخراً في مدينة المنستير بتونس؟
لقد وُجهت الدعوة لـ«روسبينا عاصمة العرائس» في مدينة المنستير بتونس، من خلال الأستاذ خالد شنان والأستاذة أحلام أبو أملا، وهما المشرفان على هذه الورش والتحضير لمهرجان المنستير روسبينا عاصمة العرائس 2019. والتجربة الأخيرة معهم كانت من الورش الناجحة جداً، لاهتمامهم في تونس بنشر هذا الفن ولجديتهم بإنشاء كادر متدرب من مدرسين وهواة لنقل هذا الفن وتعميمه على المدارس وقطاع التربية والتعليم. شارك في الورشة ثلاثون متدرباً، من أعمار مختلفة، منهم من هو اختصاصي بمسرح العرائس، ومن بينهم الشباب الطموح المفعم بالحماس لتعلّم واكتساب خبرات لنشر هذا الفن.

لاحظت من خلال مقاطع الفيديو والصور التي نُشرت على صفحات الفيسبوك مدى التفاعل الواضح بين المشاركين مع الدمى… ما تعقيبك؟
استطعت من خلال هذه الورشة المكثفة- التي امتدت على مدى أسبوعين-أن أنقل للمشاركين مشاعري نحو الدمية، وطبعاً أسلوبي قوبل بالاستجابة والرغبة لدى المتدربين الذين يحبون وهم شغوفون بالمسرح بالعموم ومسرح العرائس خاصة. قمت بالعمل معهم على محورين، الأول كيفية التصنيع والميكانيزم الحركي للدمية، والثاني عاطفي وهو كيفية نقل الشعور للدمية. وأكدنا أهمية العمل الجماعي بالمسرح وخصوصاً دمى مسرح الطاولة، التي تحتاج إلى تعاون بين الممثلين (المحركين) بين بعضهم بعضاً والإحساس ببعضهم لنقل الشعور والحس للدمية وإخراج أحاسيسهم مجتمعة فيها. والأهم أنني اتبعت- خلال الورشة-بداية الأسلوب الأصعب انتقالاً للأسهل، حيث بدأنا بدمى ورقية بلا ملامح، وبعدها تعاملنا مع دمى مسرح طاولة بلا ملامح أيضا، ورسخنا فكر العمل الجماعي مع نقل الشعور للدمية. ثم تعاملنا مع دمى تمتلك عناصر كملامح وألوان وشخصيات وأزياء، وهنا في هذه المرحلة يصبح على المتدرب نقل الأحاسيس أسهل بعد أن اكتسب الخبرة بالتعامل مع دمى بغير ملامح. من بعدها انتقلنا مع المشاركين إلى مرحلة بسيطة يستطيعون من خلالها تحريك دمية واحدة. بالنتيجة أصبح المتدرب يتعامل مع الدمية بليونة وحس وسهولة أكثر مقارنة مع بداية الورشة، لأن مرحلة الصعوبة-كونهم عدة أشخاص يحركون دمية واحدة- قد اجتازوها بعد أن تمكنوا من التعاون بين بعضهم سواء في التحريك أم نقل الإحساس إليها، وكيف يستطيعون فصل الحواس والتحريك والتكلّم بلسان الدمية، حيث يؤدي الممثل نفسه الصوت المناسب لدميته.

ما طبيعة المواد التي تم استخدامها في صناعة الدمى؟
بالنسبة للخامات فقد تعمّدت استخدام أكثر من خامة في صناعة رأس الدمية ليعتاد المتدّرب على التعامل مع الخامات المتوافرة لديه، منها: بالنسبة للرأس استخدمنا معجونة الورق وقطع الفلّين التي قمنا بتلبيسها قماش الشاش الطبي، أما جسد الدمية فكان من قطع خشبية ومفاصل الحركة من الجلد الطبيعي. بعد بناء هيكل الدمية، بدأت مرحلة تحفيز خيال المتدرب بتخيل شخصيات وتفاصيل وألوان وأزياء دميته، سواء أكانت كبيرة في السن أم صغيرة، شريرة أم خيّرة فقيرة أم غنية……. وقد كنت سعيدة جداً بالنتيجة، كيف أصبحت الدمية جزءاً من المتدرب، وكيف تحولت علاقته بها من مجرد دمية إلى صديقة وبعضهم تعلّق بها كتعلّق الأطفال وأصبح يأخذها كل يوم للمنزل وتنام بسريره.
وبعد الانتهاء من التصنيع أصبح لدينا ثلاثون دمية بعدد المتدربين، وقد استخدمناها وخلال ثلاثة أيام في تصميم اسكتشات مسرحية بالدمى الورقية ودمى مسرح الطاولة كانت النتيجة مذهلة، وأصبح واضحاً كيف تبدلت مشاعر المتدرب تجاه دميته والأهم أن المتدربين أصبحوا قادرين على تعليم ونقل خلاصة هذه الورشة إلى طلابهم بالمستقبل، حيث يقومون حالياً بالتحضير لمهرجان «روسبينا عاصمة العرائس 2019» بعيد مسرح العرائس العالمي بشهر آذار لعرض أعمال نتاج ورشة دمى مسرح الطاولة وأعمال الورش الأخرى التي نفذوها، وقد استطعت تحفيز واستفزاز خيالهم لإنتاج مشاريعهم الشخصية وأنا سعيدة بذلك.

اليوم ونحن في ظل التوجه لأهمية الدمية في حياة الطفل سواء في تربيته وتنميته…. كيف سيكون أثر الورشة في مسرح العرائس وفي الورشات المقبلة؟
منذ سنوات وأنا أعمل على نشر ثقافة مسرح العرائس، وغرس هذا الفكر والفن، وتغيير الفكر السائد نحو مسرح العرائس كنوع من التهريج والمرح للطفل، إلى دوره البالغ في التربية والتعليم، هذا كما أنني أسعى من خلاله إلى الترقي بمستوى وعي الطفل وملامسة مشاعره وأحاسيسه، لا أن نتعامل معه بسذاجة واستخفاف واستسهال، ولإدراكي لأهمية هذا الفن نبذل الجهود لاستقطاب الأطفال والعائلة للمسرح، من خلال جذبهم بالفكرة والمضمون والصورة والموسيقا، وخصوصاً طفلنا، هذا الجيل الذي نشأ في زمن المعلوماتية والألعاب الإلكترونية وغيرها، ما يتطلب منا التوجه أولا نحو العائلة تحديداً لأنها نواة التربية والوسيلة الفعالة بالتربية وغرس المبادئ والأخلاق، وعبر مسرح العرائس نستطيع تعريف طلفنا بالموروث وبالتراث لأجيال المستقبل، الأمر الذي دفعني للتركيز في جهدي على هذا المجال، وتابعت الحركة الفنية لمسرح العرائس بعد إنهائي دراستي بروسيا الاتحادية باختصاص مسرح العرائس والسينوغرافيا المسرحية في جميع الأقطار العربية والدول الغربية. وأحب أن أضيف هنا: إنني أشعر بالمسؤولية بنشر هذه الثقافة، ومدركة تماماً أنني من دون الحب لن أستطيع الحصول على نتيجة، وبالمناسبة لدي مقولة ذكرتها سابقاً على بروشور مسرحية حياة من ورق (الدمى هي أشياء تحب… فتبث الحب) ومن ثم نحن إذا أحببنا ما نصنع فسنحصد نتيجة مبهرة وستثمر.

من خلال السفر إلى الدول العربية والغربية كيف يمكننا أن نقارن تجربتنا المحلية بغيرها؟
من خلال الهيئة العربية للمسرح بالشارقة، تعرفت على مجموعة كبيرة من محترفي مسرح العرائس واختصاصيين وفنانين وهواة في الوطن العربي، ومن خلال مشاركتي أيضاً كمتدربة في الملتقى العربي لفنون الدمى وخيال الظل الثاني للعرائس في القاهرة-وتبادلنا الخبرات-اطلعت على تطور هذا الفن في أغلبية الدول العربية. بالنسبة للمقارنة هناك عنصر مشترك لدى الجميع بالاهتمام الكبير بهذا الفن في السنوات الأخيرة، لإدراك أهمية مسرح العرائس بنقل فكر ووعي وتربية لأجيال المستقبل، ومازلنا على تواصل وتبادل الأفكار والخبرات والاستشارات والنقد لبعضنا بعضاً، لأن لكل دولة خاماتها وأسلوبها في التصنيع. ومن خلال هذا التواصل وُجهت إليّ عدة دعوات، فمثلاً شاركت بالمهرجان العالمي للعرائس«أون لاين 2017» بالقاهرة من خلال ورشة للهواة، ووُجهت دعوات من الشارقة والأردن وقطر وتونس بعضها للهواة وبعضها للاختصاصيين وبعضها للأطفال.

ولكن بالمقارنة أين التجربة السورية في المستوى؟
في العام الماضي أقمنا ورشة في مديرية المسارح والموسيقا بدمشق للممثلين والهواة بتصنيع وتحريك دمى مسرح الطاولة، وكانت هذه التجربة الأولى بسورية لهذا النوع من العرائس، وكيفية تدريب الممثل على التعامل مع هذا النوع الجديد، ونتج عن هذه الورشة العرض المسرحي «حياة من ورق» وكان للورشة نتائج رائعة سواء من خلال حماس الفنانين المشاركين، أم بتغيير النظرة المعهودة لمسرح العرائس بأنه للأطفال… حصرا، حيث أنتجنا عملاً للكبار والصغار بدمى بغير ملامح، اعتمدنا فيها على حس الممثل والروح الجماعية لنقل الشعور للدمية، ونجحنا بذلك، وأصبح للممثلين المشاركين تطلّع جديد وخيال أوسع بالنظر لهذا الفن الراقي. وبصدق كنت سُئلت أثناء حوار إذاعي بإذاعة «المنستير»، عن الفرق بين سورية وتونس بالتقدم بهذا المجال. هنا ترددت قليلاً لأسباب منها وبصراحة: لأن لديهم في تونس بالمنهاج المدرسي للمراحل الثانوية مادة المسرح، وأيضاً هناك مدرسون لمادة المسرح لهذه المرحلة، كما هناك اختصاص بالجامعة بكلية الفنون الجميلة أو بالمسرح لمسرح العرائس. على حين نحن بسورية – نظرياً- نعي تماماً أهمية مسرح الطفل ومسرح العرائس، ويوجد كتاب بهذا الاسم يدرّس نظرياً بكلية التربية قسم رياض الأطفال، ولكن نحن بحاجة إلى تفعيله وتطبيقه عملياً من خلال طلاب الجامعات، كي يصبح لدينا طلاب أكادميون سواء أكانوا ممثلين أم مصنّعين للعرائس.

تعقيباً على كلامك يمكننا النهوض بالحالة من خلال الورشات الدائمة مثلاً؟
بالطبع… كل العالم مدرك لأهمية الدمية كأداة تعليمية وتربوية، وبرأيي وفي الوقت الراهن أصبح إدخال مادة المسرح على مناهجنا المدرسية ضرورة، ويجب أن يكون داخل كل مدرسة ركن للمسرح يقدم من خلاله الطلاب نشاطهم المسرحي. حالة الشغف لمسرح العرائس والأطفال موجودة في سورية، وقد لامستها حينما أعلنت مديرية المسارح والموسيقا العام الماضي عن ورشة للدمى، لقد كان الإقبال كبيراً، لذلك حقاً أتمنى تكثيف الورش بالمحافظات، وتعميم هذه الحالة الثقافية واستثمار المتدربين بتعليم فئات أخرى بالمستقبل، كما أتمنى إرسال بعثات خارجية بهذا المجال، لاكتساب مهارات جديدة تساعدنا بالمستقبل لإنشاء كادر تدريسي أكاديمي بمسرح العرائس.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.