فيزياء الجسد في تجربة المخرجة الأردنية مجد القصص #الاردن

 

تضمن برنامج الدورة الثانية عشرة من مهرجان المسرح العربي في عمّان، التي نظمتها الهيئة العربية للمسرح في منتصف يناير الجاري، ندوة فكرية بعنوان “المسرح بوصفه معملا للأسئلة ومشغلا للتجديد”. وكان من بين محاوره العديدة محور عن “مسرح فيزياء الجسد” دُعيتُ للمشاركة فيه بتقديم ورقة نقدية حول تجربة فرقة المسرح الحديث الأردنية في هذا اللون من المسرح، وبيانها الذي يتضمن ماهيته ومرجعياته وسماته.

يحدد البيان “مسرح فيزياء الجسد” بأنه “مزيج ممّا بعد الحداثة في المسرح وما بعد الحداثة في الرقص”، وأن التنظير له بدأ في ثمانينات القرن الماضي. ويقف البيان على تجارب عدد من المسرحيين الغربيين، والتي اهتمت بجسد الممثل، وركز على تجربة المخرج الروسي مايرهولد، ونظريته “البيوميكانيك” التي تقوم على معادلة شبه علمية تهدف إلى الوصول إلى عقل الممثل وجسده.

ومن مايرهولد ينتقل البيان إلى المخرج البولوني جروتوفسكي، فيتحدث عن أثره البالغ أيضا في تطوير “مسرح فيزياء الجسد”، مبينا أنه قدّم نظريات كثيرة للمسرح أهمها ما ورد في كتابه الشهير “نحو مسرح فقير” ومفاده “أن العرض المسرحي يمكن له أن يقوم من دون استخدام ديكور أو ملابس أو إضاءة أو موسيقى، وأيضا من دون نص مكتوب مسبقا، إلّا أنه لا يمكن أن يستغني عن العنصر الأهم في العملية المسرحية برمتها ألا وهو الممثل”.

وفي الحقيقة إن ما ذهب إليه جروتوفسكي يشكّل المفهوم الأساسي للمسرح الفقير، وهو مفهوم غير متماسك، في اعتقادي، من الناحية الواقعية والجمالية، فالعناصر الفنية التي يتشكّل منها العرض المسرحي، لا عنصر التمثيل وحده، هي عناصر بنيوية لا يستغني عنها أي عرض مسرحي مهما كانت عبقرية الممثل، وتنتظم هذه العناصر البصرية والسمعية المنتمية إلى فنون مختلفة، شرط أن تكون منصهرة بعضها ببعض، في نسيج فني متكامل هو العرض المسرحي.

ويذهب البيان إلى أن مسرح فيزياء الجسد لم يتأتّ كنتيجة لجهود هؤلاء المسرحيين، الذين أسهموا في خلق بيئة جديدة في التعامل مع جسد الممثل فقط، بل جاء مزيجا من جهودهم المندمجة مع جهود فناني الرقص الحديث ورقص ما بعد الحداثة. إلّا أنه يغفل واحدا من أهم المنظرين لتوظيف الجسد في المسرح والمشتغلين عليه وهو المخرج والممثل الفرنسي جاك لوكوك، صاحب كتاب “شعرية الجسد”، الذي يلخص فيه طريقته وتعاليمه التدريسية، ويعرض  تجربته المسرحية، والمناهج التي استخدمها في التمثيل الدرامي الصامت، والقناع المحايد ودوره في العديد من الأشكال الدرامية الكبيرة (الميلودراما، الكوميديا دي لارتي، المأساة، وفن التهريج)، والقدرات الخاصة للجسد الإنساني، والكوريغرافيا، وتقنيات الارتجال واللعب وبناء الحكاية.

المبدع المخلص لمشروعه ينبغي أن يكون جَلدا، يرتقي بالذائقة عبر التجارب المنتجة للجمال والتأمل، لا أن يخور عزمه فيجاري رغبات عشاق المسرح المُتداوَل

وبعد استعراض تجارب هؤلاء المسرحيين وفناني الرقص يذكر البيان مجموعة سمات لهذا المسرح وميزاته، لكن معظمها ذو طابع عمومي، ويمكن أن نجده في أشكال مختلفة من التجارب المسرحية التي لا تتخذ من “مسرح فيزياء الجسد” عنوانا لها، مثل مسرح الصورة، المسرح الصامت أو الإيمائي، المسرح الكوريغرافي، المسرح البصري، مسرح الحركة، والمسرح الطقوسي.

ويتطرق البيان إلى الأعمال المسرحية التي قدّمتها مخرجة فرقة المسرح الحديث الأردنية مجد القصص، منذ عام 2004، مبينا أنها انقسمت إلى مرحلتين: الأولى فيها تغليب الجسد والصورة على النص، وغياب الحكاية، والاعتماد على الكولاج، والثانية فيها عودة إلى النص والحكاية، من دون التخلي عن لغة الجسد ومسرح الصورة. لكن النص الحواري احتل مساحة أكبر، في محاولة منها لجسر الهوة بين المشاهد والعمل المسرحي.

وأشيرُ هنا إلى سبع تجارب للقصص هي “قبو البصل”، “الملك لير صوفيا”، “القناع”، “أبيض وأسود”، “سجون”، “بلا عنوان” و”أوراق الحب”، التي تنتمي جميعها إلى المرحلة الأولى، وتمثل مشروعها “مسرح فيزياء الجسد”، وتمثلها لمبادئ هذا التيار المسرحي، وهي تجارب تتألف من مجموعة لوحات مستقلة لا تجمعها حبكة درامية، ولا تتنامى على وفق منطق سببي، كما في العروض التقليدية، بل ينتظمها رابط جمالي ودلالي، وتسير في خط تراكمي، ويتداخل بعضها ببعض بانسيابية تحول دون تفكك جسد العرض وانفراط جغرافيته إلى جزر عائمة.

كما ينكمش فيها الحوار إلى أقصى درجة لتحلّ محله مشاهد بصرية شديدة الإبهار، يتصدّرها الأداء الجسدي والكوريغرافي للممثلين، وتمزج بين الحركات التجريدية ذات المنحى الرمزي، والحركات اليومية المستمدة من الواقع أو التراث الشعبي، وإلى حد ما الرقص الباليهي والرقص الحديث، وتبعث تكويناتها فيضا من التساؤلات حول الحس الفني الثري، والإدراك العميق لمفهوم المسرح، كفكر وفن ومتعة.

وأرى أن القصص حقّقت من خلال هذه التجارب حضورا إبداعيا متفردا في المسرح الأردني، لذا كنت من بين النقاد المتحمسين لمشروعها، الذي شقت طريقه في مناخ مسرحي أردني، وربما عربي، يتخلله “غبار دوغمائي”، إن صح التعبير، يزيد من تشويش رؤية المتزمتين، المناهضين للتجارب الجديدة في المسرح.

وأعتقد بأن انتقال المخرجة مجد القصص إلى ما تسميه بالمرحلة الثانية، التي تصفها بأنها “عودة إلى النص والحكاية”، حيث الحوار يحتل مساحة أكبر، ينطوي على تراجع عن هذا المشروع، في حين لم يتراجع غيرها من المشتغلين على “مسرح الجسد” و”مسرح الصورة” عن مشاريعهم، ولم تُثنِهم اتهامات المناوئين لهم بأنهم نخبويون.

فالمبدع المخلص لمشروعه ينبغي أن يكون جَلْدا، يرتقي بذائقة المتلقين عبر تجارب منتجة للمعرفة والجمال والتأمل، لا أن يخور عزمه فيجاري رغبات عشاق “المسرح المُتداوَل”، الذي يهيمن على المسرح العربي، وله مخرجون أكثر من الهمّ على القلب.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح