عبد القادر اعبابو.. المسيح الذي لا ظل له – د.عز الدين بونيت #المغرب

المسيح الذي لا ظل له..
هو الآن في برزخ المعراج.. يتيما كما كان قبل الولادة.. عنيدا في حلمه .. شاهدا ينكر وجه الحقيقة.. هو الآن في ربوة الوعد يرقب مولده..هو الآن يكشفنا مثل حبات سبحة غامضة..

هكذا ارتسم عبد القادر عبابو في ذهني منذ ان التقيته اول مرة في ربيع 1979، بلحيته الكثيفة، وشعره المسترسل. خيل إلي اول الأمر أنه خرج للتو من الياذة هوميروس.. بعد وقت قصير بدأت صورته تستدعي في ذهني اسم سوفوكليس.. كان لقاؤنا الأول في ملابسات التوتر الذي طبع الدورة العشرين من المهرجان الوطني لمسرح الهواة، المأسوف عليه، حيث حل عبابو وفرقته انوار سوس ضيوفا على الاتحاد الإقليمي لمسرح الهواة بمراكش، بعد ان تم اقصاؤهم ومسرحيتهم “ثورة الزنج” من المهرجان.

كانت الأمسيات تطول بنا في نقاشات متشعبة تهم المسرح والسياسة والمجتمع والنضال والبدائل التي علينا اجتراحها لكسر الطوق الذي تحاول السلطة ضربه على المسرح الملتزم. لا أذكر كم من بيان أصدرنا في تلك الأيام المتزاحمة، وكم من بيان مضاد كان علينا مواجهته. كنا واثقين من جدوى ما نقوم به. وهناك في ذلك اللقاء تبلورت فكرة تنظيم ملتقى أگادير المسرحي الذي نظم الاتحاد الإقليمي لمسرح الهواة بأگادير دورته الأولى في شتاء 1980، تحت شعار “من أجل مسرح ملتزم” بقيادة جمعية انوار سوس والفقيد عبد القادر عبابو. واستمر لمدة أربعة عشر عاما، قبل ان ينطفئ.

في لقائنا الأول بمراكش، اكتشفت لأول مرة شخصا مريضا بمرض السكري من النوع الأول الذي لم أكن أعرف بوجوده حتى ذلك الحين. لفت انتباهي ان عبابو يحقن نفسه ثلاث مرات في اليوم بمادة اخبرني انها الأنسولين، وشرح لي كيف انه مضطر لحقن نفسه بها طوال عمره. منذ ذلك الحين، استقر في ذهني انطباع عن هذا الشخص بأنه ينطوي على هشاشة دائمة، فهو لا يتناول السكريات ابدا، ولائحة اطعمته جد محدودة.

كنت أرثي لحاله، وأعتبر انه يعاني كثيرا في سبيل تحمل تبعات المرض ومتطلباته. تمثل اعبابو في ذهني كشخص دائم المعاناة.. وكنت دائما أتساءل: من اين يستمد هذا الشخص قدرته على الحلم والأمل والحماس في العمل؟

ذات يوم، اكتشفت بشكل عرضي، ان الهواية الأولى لعبد القادر عبابو قبل المسرح كانت هي الملاكمة. فتملكني العجب من هذا الجسم الصغير النحيل كيف يخطر ببال صاحبه ان يقف على حلبات الملاكمة ويصمد امام اللكمات ويناورها.. لكن عجبي الاكبر جاء من تساؤلي: كيف انتهى الأمر بمشروع ملاكم أن يتحول الى مخرج مسرحي عصامي؟

صحيح ان عبابو كان يتسم بقدرة عالية على الصبر والمقاومة، مع ما يتطلبه ذلك من مناورات ومناوشات. وهذا ما وجد ترجمته في تعدد الواجهات التي انخرط في العمل فيها تباعا: التنظيم الحزبي (التقدم والاشتراكية، وقد كان شيوعيا متشبعا) والتنظيم النقابي (الاتحاد المغربي للشغل) والعمل الثقافي (المسرح، والكتابة الشعرية والأدبية، عضوية اتحاد كتاب المغرب، منذ الثمانينيات، الصحافة الثقافية…)

في الواجهة الابرز، نذر عبابو نفسه للمسرح، مخرجا ودراماتورج، ومكونا، وإداريا، ومؤطرا نقابيا. فكر في الممارسة المسرحية، ونحت لنفسه اسلوبا فنيا ومنظورا فكريا اطلق عليه عبارة: الإخراج الجدلي. وهو يعرف مضمون اسلوبه هذا بالقول إن مهمة المخرج لا تنحصر في ترجمة النص الدرامي على الركح بأدوات الركح، بل تمتد لتشكل إعادة كتابة للمسرحية (ما يقربه من مهمة الدراماتورج) وفق رؤية تفاعلية بين العالم النصي و العالم الواقعي والرؤية الفنية المخرج.

بفعل انخراطه العميق في الممارسة المسرحية، لمدة تجاوزت أربعة عقود، ربط عبابو علاقات ممتدة مع عدد كبير من الفنانين المسرحيين على الصعيد الوطني، وايضا خارج المغرب. وصار بالنسبة للحركة المسرحية المغربية رمزا وايقونة للمسرح الأگاديري، ووجها ثقافيا انصهر مع المدينة حد التماهي، بالرغم من ان أصوله العائلية ومسقط رأسه كان من خارج أگادير. وقد عبر هو نفسه عن هذه العلاقة الانصهارية في إحدى قصائده التي ختمها بالقول: “من كان يعرف لأگادير بابا غير قلبي فليدخل…”

صدق عبد القادر عبابو: لقد كان قلبه هو بوابة أگادير .. من اين سنلج اليوم الى مجاهل هذه المدينة، وقد غادرها مسيحها الذي لا ظل له.

د.عز الدين بونيت – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح