أخبار عاجلة
الرئيسية / المهرجانات الوطنية / فلسطين / صراخ مابين “سحماتة” و”قلنديا” في عرضين مسرحيين فضحا عنصرية إحتلال لا تكل.. اليوم الخامس من ايام الدورة 2 لمهرجان فلسطين الوطني للمسرح – يوسف الشايب #فلسطين

صراخ مابين “سحماتة” و”قلنديا” في عرضين مسرحيين فضحا عنصرية إحتلال لا تكل.. اليوم الخامس من ايام الدورة 2 لمهرجان فلسطين الوطني للمسرح – يوسف الشايب #فلسطين

صراخ ما بين “سحماتا” و”قلنديا” في عرضين مسرحيّين فضحا عنصرية احتلال لا تكلّ!

يوسف الشايب – رام الله

أكثر من سعبين عاماً، مرت على نكبة فلسطين، واحتلالها الأول من قبل العصابات الصهيونية في العام 1948، وما خلفه من تهجير داخل فلسطين وإلى المنافي القريبة والبعيدة، وما بين اليوم، إلا أن السياسات العنصرية لا تزال هي العنوان الرئيس للاحتلال الإسرائيلي، وهو ما فضحته مسرحيتي “سحماتا تحت أشجار الصنوبر” لمسرح الجنين من الناصرة، و”قلنديا رايح جاي” لفرقة المسرح الشعبي من رام الله، ومقرها في مخيم الأمعري للاجئين، ليؤكدا بأن النكبة ليست فعلاً من الماضي فحسب، بل هو فعل متواصل، بل وبات أكثر شراسة، ويتخذ أشكالاً متعددة، وهما العرضان اللذان احتضنتهما خشبتي المسرح البلدي وقصر رام الله الثقافي، مساء أمس، في اليوم الخامس لمهرجان فلسطين الوطني للمسرح.

وتتحدث المسرحية الأولى لمؤلف ومخرجها حنا عيدي، عن الذاكرة لتروي قصة إخفاء قرية سحماتا المهجرة تحت الركام في ظل أشجار الصنوبر، وهي رسالة طفت على لسان الممثلين لطف نويصر ورامي صليبا، مفادها بأن “سحماتا شعلة أبت أن تنطفئ في يد أجدادنا، وها هي تنتقل في أيدي جيل جديد ليزيدها لهباً ونوراً، لتحيا فيهم ولهم … سحماتا قصة حب ومأساة وأمل، في قتلها تتجدد الحياة، كل الحياة”.

وخلت المسرحية، إن جاز تسميتها بالمسرحية، بقدر ما هو عمل حكائي، من أي عناصر مساندة واضحة المعالم، فغابت المؤثرات الصوتية تماماً، وكانت الإضاءة بدائية، وطغى المضمون على الأداء، فكان الملل سيد الموقف، في عمل يصلح لأن يكون تعليمياً لطلاب المدارس وربما الجامعات لرسائله ومضامينه الوطنية، وتلك المتعلقة بحفظ الذاكرة من محاولة الطمس والتزوير، ومن النسيان أيضاً، وليس في إطار ثمانية أعمال مسرحية تتنافس على جوائز مهرجان فلسطين الوطني للمسرح.

وكان طافياً على السطح تلك الشعاراتية التي تقتل حتى المضمون في كثير الأحايين، والتجسيد غير التلقائي والمتكلف، ما جعله الملل يتسلل إلى نفوس المشاهدين، بل لا أبالغ إن قلت بأن الملل كان سيد الموقف، حيث الإعادات والإطالات، والاتكاء على حوار مكرور، لاسيما أن العرض قدّم لجمهور فلسطين هو ابن النكبة، أو حفيدها، ويعيش نكبات يومية جراء سياسات الاحتلال، ويحفظ الدرس عن ظهر قلب، كما أن اقتصار العمل على شخصين، واستحضار الشخصيات الأخرى خيالاً ليس مجنّحاً، والغياب غير المبرر لأي ديكور يذكر، أو موسيقى مرافقة، أو مؤثرات بصرية كمشاهد سينمائية، عزز من حالة الملل هذه، بل ودفع إلى طرح سؤال حول الحديث عن السينوغرافيا وتصميم الإضاءة في العمل، الذي غالباً ما سيكون خارج إطار المنافسة، وإن كان مستهجناً كيف اعتمد للمنافسة بالأساس من قبل لجنة المشاهدة المكونة من الكاتب والمسرحي والباحث الفلسطيني راضي شحادة، والمخرج والممثل والكاتب المسرحي الفلسطيني علي أبو ياسين، والمخرج والممثل خالد الطريفي!

أما عرض “قلنديا راح جاي” من تأليف وإخراج فتحي عبد الرحمن، مدير المهرجان، وهو من بين عملين خارج إطار المسابقة، لكون أحد القائمين عليه من اللجنة العليا للمهرجان، وذلك تحقيقاً لمبدأ الشفافية، فلم يكن بذلك السوء، ففيه محاولة ابتكار، وطرح لمضامين ومواضيع مهمة تمس حياة شريحة من الفلسطينيين، وهم المقدسيين المقيمين خارج القدس، ومساعي الاحتلال لسلب الهوية المقدسية الزرقاء منهم بذريعة عدم الإقامة في المدينة المقدسة، وذلك لتفريغها من سكانها الفلسطينيين العرب الأصليين، وأيضاً الحديث عن مافيا بيع وتسريب الأراضي لصالح الجمعيات الصهيونية الاستيطانية، والفساد، وترهل المؤسسة الرسمية الفلسطينية، وغيرها من المواضيع غير المطروقة سابقاً.

ويؤخذ على العالم، وقوعه في فخ الشعاراتية في العديد من مفاصله، والمستوى المتذبذب للممثلين في لوحات العمل المسرحي المتعددة، وخاصة لمن لعب أكثر من دور، على رغم الخبرة الطويلة لبعضهم، وحداثة تجربة البعض الآخر، فيما بنية العمل بكلّيته تبدو مدرسية، تخلو من الإبهار على المستوى البصري، ومكونات السينوغرافيا، في حين كان الحضور الموسيقي المرافق بارزاً، كما أداء الممثلة لارا نصار في عدد من اللوحات، في حين كان استخدام مشاهد مصورة من شارع رام الله القدس المعروف بـ”شارع قلنديا”، وأخرى تظهر جدار الفصل العنصري المحيط بالحاجز الذي يحمل اسم “قلنديا” على اسم مخيم اللاجئين المتاخم له، والمطار الذي يجري تحويله إلى تجمع استيطاني بعد أن كان يعج بالحياة وبالحكايات للقادمين إلى فلسطين، والمغادرين منها، قبل احتلال العام 1967، كان لا يعدو كونه أداة توضيحية تعمق انضواء العرض في إطار تعليمي، مع أن “اللسعات” الكوميدية فيه كانت لافتة، وإن ليس جميعها، فبعضها لم يضحك إلا الأطفال، وهو ما يعيد فكرة “مدرسية” الطرح الفني للعمل.

والعمل كما لخصه القائمون عليه يصف حاجز قلنديا العسكري ويفصل القدس عن رام الله وسائر مدن الضفة الغربية بـ”سارق الوقت”، و”سارق الأعصاب”، و”رمز الاحتلال”، بحيث “تضبط حياتك وعلاقاتك على حالة الحاجز اليوم، مفتوح أو مغلق أو “سالك” أو مزدحم .. “هنا مفتاح الزمن، وزمن التمييز العنصري الأبشع.

هنا كل أشكال القهر والظلم والقلق والتوتر والغضب .. هنا بوابة العزل والإقصاء والإبعاد والتهجير والإذلال، على الحاجز تنهال الذكريات المريرة، مصادرة الأرضي، هدم وتدمير المنازل، مصادرة الهويات والحرمان من زيارة الأسرى والأقصى وبحر يافا وحيفا وغزة .. هنا تتجسد كل رموز الأشياء التي يكرهها الفلسطيني”.

القائمون على العمل وصفوه أيضاً بـ”عرض ساخر لمأساة متصلة فصولها لم تنته، وأبطالها أشخاص بسطاء لا يبحثون عن بطولة أو نياشين، لكنهم يملكون الشجاعة لنزع أقنعة البائسين الغارقين في وحلهم”.

وهنا، وبعد أن انتهى اقتباس ما وصف به القائمون على العرض مسرحيتهم، يمكن الحديث بأنه عرض ساخر نسبياً، وأن الحديث عن نزع أقنعة البائسين، وهو ما يجعل من الشعاراتية والنهايات المتوقعة سلفاً سيدة الموقف، وهذا لا يعني بأن العمل لا يقدم جديداً، وبأنه ليس عملاً جيداً، ولكن القائمين على العرض عدد كبير منهم يحمل من الخبرة ما يجعلنا نتوقع أن يقدم ما هو أفضل من ذلك بكثير، خاصة على مستوى الشكل الفني، الذي يمكن وصفه بـ”العادي”.

جدير بالذكر أن مسرحية “قلنديا رايح جاي” من تمثيل: لارا نصار، ومرح ياسين، ومحمد مشارقة، وجميل السايح، وحسين نخلة، ومحمود طمليه، وعدي الجعبة.

من يوسف الشايب – رام الله

(المصدر: اعلام الهيئة العربية للمسرح)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح