رسالة إلى المسرح.. – د.ابراهيم الهنائي #المغرب

أيها المسرح سلاما
وبعد،
منذ ما يزيد على ثلاثة شهور والحكم يصول ويجول فوق حلبة الحدث. ثم يبدأ العد بأصابعه المعقوفة:
واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة…
العالم ينتظر أن نستسلم أو أن نعود إلى المواجهة…
خمسة، ستة، سبعة، ثمانية…
ننظر إلى بعضنا البعض ونحن صريعين فوق الخشبة ثم نقرر أن نقف على أرجلنا كما لم نقف من قبل، كما لم ينتظرها خصمنا المتوحش.لأنه لا بد أن نقف.
هكذا نحن حفدة العنقاء، لا نركع.
كل ليلة نموت بعد انتهاء كل عرض. نموت في صمت ونحن نبتسم للجمهور الذي تطفو تصفيقاته فوق احتضارنا المكتوم. جمهور يصفق لموتنا الوشيك بمجرد مغادرته القاعة. ومع ذلك نحب هذا الموت.
ها نحن اليوم نشتاق أن نموت كما كنا نموت كل ليلة. لنا في الخشبة قبر ومن التصفيقات كفن. ومع ذلك نحب هذا الموت كما سيزيف صخرته. لأن قدرنا الجميل أن نحمل الصخرة كل مرة نحو القمة.
أيها المسرح، يا مرآتي
أيها المسرح، يا كل عشاقك ويا أنا.
لمن سنكتب بعد اليوم؟ بما سنحلم؟
قبل اليوم كانت المعادلة واضحة كشمس شهر مارس: “نكتب أو لا نكتب، تلك هي المسألة”
أما اليوم، وبدون سابق إنذار تعود المعادلة الشكسبيرية من جديد:” أن نكون أو لا نكون، تلك هي المسألة”
ونختار رغم أنف الموت أن نكون. نختار أن نحيا.
إذ من العبث والجبن أن نغادر الحياة ما دامت الحياة تستحق الحياة.
اليوم تحضرني تفاهة بعض خصوماتنا القديمة. فأجدني أحن إليها كما أحن إلى جدالاتنا العقيمة حول المسرح النموذج وحول الفنان الذي يستحق ولا يستحق التكريم والجوائز والدعم…
تحضرني موائدنا المستديرة والمستطيلة حول مسرح ما بعد الحداثة ومجموعة من الأولويات…
كنا نحلم ونتجادل ونخطط للمستقبل. يومها كان للسلم درجات ثلاث: درجة للماضي ودرجة للحاضر كما للمستقبل درجة.
واليوم أسقطت درجة المستقبل من الحساب فاختل توازن السلم.
اليوم ينقصنا المستقبل.
كما تنقصنا اليوم أشياء كثيرة.
حثيث قلم الرصاص وهو يسطر/يمحو/ويعيد كتابة الحوارات.
تنقصنا حرارة الخشبة التي لن يعوضها غيرها مهما حاول.
ينقصنا سحر الممثل وهو يحول الركح الصغير إلى أوطان لا تعتقلها الحدود.
ينقصنا الفرح المشوب بالخوف ونحن على أيام أو ساعات من العرض.
نخاف وكأننا أميرة إغريقية عذراء تساق صامتة كالقربان للمذبح.
تنقصنا الفرحة حين تفجر صمت القاعة تصفيقات الجمهور أو ضحكاته.
ونفرح كالصغار لأننا حققنا المستحيل. انتزعنا الإعجاب وأدخلنا على القلوب الفرحة.
انتزعنا الصفير أحيانا ما دام هو أيضا يدخل في إطار الفرجة.
تنقصنا جلساتنا بعد العرض.
عندما نتعانق ونرتمي منهكين فوق كراسي مقاهينا المعتادة. نناقش التفاصيل الصغيرة التي غابت عن الجمهور.
نناقش الحوارات التي نسيها الممثل.
نناقش مغادرة بعض الممثلين الخشبة قبل الوقت…
نناقش إيقاع العرض وما الإيقاع بالشكل الهين.
نناقش مسؤولية التقني التي لم يرسل المقطع الموسيقي في الوقت المفروض.
نناقش قطعة الاكسسوار التي نسيها الممثل فوق الخشبة…
نناقش ونناقش…وما أكثر التفاصيل التي نناقش.
تفاصيل صغيرة نناقشها وكأنها الأساس.
نناقشها بحدة لأنها بالطبع الأساس.
هذا كل ما ينقصنا اليوم أيها المسرح
تفاصيل بها ولها نعيش نحن حمقى المسرح.
تفاصيل هي كل حياتنا…إذ هي الحياة. حياة بك ولك ومعك.
واليوم ها نحن ننتظر الدقات الثلاث.
لأنك بالتأكيد ستفاجئنا بعودتك.
ننتظر.
ولأننا أقوياء ننتظر
أليست الحياة مجموعة انتظارات متعاقبة؟
سننتظر حتى يمل الموت الانتظار، وينسحب.
وداعا أيها الموت انسحب.
انسحب غير مشكور فإنا ها هنا قاعدون.
وأنت أيها المسرح، يا نحن، يا أنا، انتظر.
كما تنتظر ” الخادمة” ذلك المصباح الذي يبقى مشعلا طوال الليل في خشبات المسارح الكبيرة.
كي يضيء الخشبة والديكور.
لكيلا يبقى الديكور وحده.
أنت أيها المسرح انتظر
حتى يجر الموت أذيال خيبته انتظر
يوما، أسبوعا، شهرا أو بعض شهر أو سنة.
فمهما طال انتظارك لن يطول.
انتظر فالكل جاهز
ولن تخلف أبدا موعدا أنت من قطعه على نفسك.
غدا سنلبس أزهى ملابسنا ونتعطر كما لم نتعطر من قبل.
وكأننا على أول موعد مع المعشوق.
ومن أفضل من المسرح يستحق منا كل هذا العشق؟
الكل جاهز.
الممثل في قاعة التزيين يراجع آخر رتوشات المكيجة
أنوار الخشبة كالأحصنة النافرة تنتظر
الجمهور يقرأ آخر الرسائل قبل أن يقفل هواتفه النقالة.
التصفيقان جاهزة
كما الصفير المشاغب جاهز.
تطفأ أنوار القاعة….
ها أنت تحضر
تحضر كي تكون وكي ندوم.
تحضر كي نشكل كل العالم
إبراهيم الهنائي – المغرب
مراكش
يوم كورونيالي آخر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح