أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / دعم المسرح المغربي .. مسارات القلق – أحمد السبياع #المغرب

دعم المسرح المغربي .. مسارات القلق – أحمد السبياع #المغرب

     كثيرا ما تتم دعوتنا لمشاهدة مسرحية ما، وحينما نصل إلى باب المسرح، نقدم الدعوة للحارس بالباب وندخل، دون أن ندفع شيئا. والمعلوم أن المسرح في العالم ذي التقاليد المسرحية العريقة يعيش على دعم الجمهور وهو موجود لأن شباك التذاكر يدعمه. فمن الذي يدعم المسرح المغربي؟. وكيف يُسهم الدعم المسرحي في تطوره وبقائه؟. وهل صِيَغُ دعم المسرح المغربي فعالة؟. أم أنها تشكل جزءا من الهموم التي تؤرقه وتحد من إشعاعه؟. وما موقع الفرق المسرحية والمسرحيين بالنسبة إلى الدعم المسرحي؟.
1- المؤسسات الداعمة
أ‌- وزارة الثقافة
إن وزارة الثقافة المغربية هي ممثل الدولة مسرحيا، فهي التي تمثل تصور الدولة للمسرح المغربي، وهي التي تخطط له مستقبله، وتحاول إخراجه من مآزقه الآنية، وتفترض العلاقة الممكنة بينه وبين جمهوره، وتصنع مكانته في المجتمع، وتسوِّق صورته خارج الوطن. إنها بالمُجمل خلاصة سياسة الدولة إزاء المسرح المغربي وكل أطرافه : المسرحيون، الجمهور، النقاد.
وقد كان دعم الدولة للمسرح قبل حكومة التناوب بمثابة رد فعل على مطالبة المسرحيين به، فكانت وزارة الشبيبة والرياضة تدعم مسرح الهواة، ووزارة الثقافة تدعم المسرحيين المحترفين لكن بشكل لا يخضع للمنافسة والتنظيم. مع حكومة التناوب سنة 1998 تم سن سياسة دعم تضم دعم إنتاج ودعم ترويج. ومع هذه السياسة صار بالإمكان التحدث عن موسم مسرحي يُفتتح بشكل رسمي وبحضور وزير الثقافة، وحيث صارت هناك حصيلة مسرحية يمكن تقييمها عند نهاية كل موسم، والتفكير في تخطي وتجاوز المشاكل المطروحة والمستجدة، وتقدم هذه الحصيلة في مهرجان مسرحي احترافي يقام بمكناس/حاليا في تطوان، انطلقت دورته الأولى مع سن سياسة الدعم. وقد عرف الدعم المسرحي عدة تحولات منذ تأسيسه إلى الآن؛ وذلك استجابة لمطالبة المسرحيين أفرادا وهيئات بالإصلاح، وتجاوبا مع المستجدات العالمية في مجال المسرح، وكذا تفاعلا مع المشاكل المستجدة. كما عرفت وزارة الثقافة نفسها تحولات عدة: وزارة الثقافة/وزارة الثقافة والاتصال/وزارة الثقافة والشباب والرياضة. وهذه التحولات تؤشر ذاتها على أن قطاع الثقافة لا ينظر إليه بوصفه كيانا ذا وحدة ويملك الاستقلال والخصوصية.
ب‌- مؤسسة مسرح محمد الخامس
تقع مؤسسة مسرح محمد الخامس من حيث كونها مدعما أساسيا للمسرح المغربي في المرتبة الثانية بعد وزارة الثقافة. ولهذه المؤسسة العريقة شكلان من دعم المسرح؛ الشكل الأول : إنتاج وترويج أعمال مسرحية، ثم اقتناء عروض مسرحية حتى وإن تم تقديمها في مسارح أخرى.
ت‌- الإعلام
هذا الفاعل يكتسي أهمية قصوى، نظرا لإمكاناته اللامحدودة، ليس في الدعم المادي، بل إن قدرته الخارقة تجاوزت حدود الماديات، فبإمكانه أن يعيِّن للمغاربة ما هو مسرح وما هو ليس بمسرح، وبإمكانه أن يوجههم ويتحكم في اختياراتهم بل ويقودهم إلى حيث شاء، إنه هو الذي يصوغ تعريف المسرح ويفرضه على المغاربة، بعبارة أخرى إنه الأستاذ الذي يلقن المغاربة مسرحهم والسيد الذي يأمرهم أي مسرح يشاهدون. وقد كرس الإعلام عددا من الوجوه والفرق المسرحية وهمش أخرى. أما عن الدعم المادي فالقنوات تقتني عددا محدودا من العروض المسرحية – أغلبها من المسرح التجاري – وتبث غالبا في غير وقت الذروة. وهذا يؤشر على الرتبة المتأخرة للمسرح في نظر الإعلام المغربي.
لكن هذه الهيئات الثلاث لا تستطيع أن تبدد قلق كل الفرق المسرحية بالمغرب، إذ تعيش الفرق حالة من الاستنفار والقلق عند بداية كل موسم، ويؤرقها السؤال الصعب دائما من أين سيتم تمويل العمل المسرحي الجديد؟.
2- الدعم المسرحي ومسار القلق
أ‌- قلق الفرق المسرحية
إن مسار الفرق المسرحية المغربية المحترفة يشوبه الكثير من التهديد والقلق، فقد تحصل الفرقة على دعم وزارة الثقافة أو دعم مؤسسة مسرح محمد الخامس لموسم مسرحي، فتنتعش وتُنتج عملا مسرحيا وتُنظم جولة له، لكنها قد لا تحصل على الدعم لموسم أو مواسم أخرى.
نستطيع أن نجزم أن القصة النموذجية للفرق المسرحية المغربية هي كالتالي : تعلن وزارة الثقافة عن إعلان دعم المسرح، فتسارع الفرقة بإنجاز ملف لعمل مسرحي جديد، مع كل ما يلزم من اتصال بالفنانين وتوقيع للعقود وكل ذلك، ثم يتم تقديم الملف لوزارة الثقافة، وبعد فترة الانتظار يتم الإعلان عن النتائج، إذا حصلت الفرقة على الدعم فإنها تعتمد عليه بشكل يكاد يكون كليا، مع أن دفتر التحملات ينص على أن دعم وزارة الثقافة والاتصال يغطي فقط 60 ٪ من ميزانية المشروع المسرحي. وإذا لم تحصل الفرقة على الدعم، فإن أمامها ثلاثة خيارات :
– الخيار الأول : الاحتجاج والتنديد بلجنة الدعم وبنزاهتها. وفي النهاية يتم إرضاء الفرقة وإسكاتها عن طريق اقتناء بعض العروض/الليالي المسرحية من قبل مديريات وزارة الثقافة والاتصال ومؤسسة مسرح محمد الخامس، وفي الموسم القادم عادة ما يتم تقديم الدعم لهذه الفرقة خوفا من احتجاجها.
–  الخيار الثاني : تركن الفرقة إلى الصمت وتنتج عملها بإمكاناتها المحدودة.
–  الخيار الثالث : تختار الفرقة أن يكون موسمها أبيضَ بدون أي عمل مسرحي وأن تستعد للدعم المقبل.
وهكذا تعيش جل الفرق المسرحية المغربية في دوامة هذا القلق.
ب‌-  قلق الفنان المسرحي
وعلينا في هذا الصدد أن نتحدث عن قلق آخر هو قلق الفنان المسرحي، فعند بداية كل موسم يحرص الفنان المسرحي المغربي أن يوقع أكبر قدر من العقود، وهو يأمل أن تحصل ولو نصف الفرق التي وقع معها عقود عمل على الدعم المسرحي.
وقد تبين بالملموس مدى عمق هذا القلق من خلال الأحداث التي عرفها المسرح المغربي، حيث تأخرت دفعات الدعم ولعدة مرات، فطفت على السطح الكثير من الاحتجاجات والتدخلات، من الفرق نفسها والهيئات من قبيل نقابة الوطنية لمحترفي المسرح أو الفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة ومن قبل الأفراد حيث طالب عدد من الفنانين مقابلة الوزير وبثه همومهم المالية.
وتتمثل الهموم المالية للفرق المسرحية عموما في الديون المتراكمة على الفرق، من أجور للفنانين العاملين داخل المشاريع المسرحية، وأحيانا من قروض طلبتها الفرق لغاية إنتاج أعمالها المسرحية. وتؤشر كل هذه الأحداث على أن الفرق المسرحية في المغرب تعتمد على دعم وزارة الثقافة والاتصال بشكل يكاد يكون كليا، كما تؤشر على أن حياة عدد هام من الفنانين المسرحيين ترتبط بهذا الدعم، خاصة أولئك الذين لا يزاولون أي عمل آخر ما عدا المسرح.
إن الفنان المسرحي المغربي يعيش هذا القلق بكل تفاصيله الدقيقة؛ ولا أدل على ذلك أساليب الاحتجاج والتنديد المبتكرة، منها ما أقدم عليه المسرحي الشاب أمين غوادة حيث غادرة أسرته في رحلة شاقة ومجهولة العواقب نحو جبال الأطلس، هذه الجبال التي تصعب الحياة فيها بين الأسوار الحصينة، وقد لحقت به نقابة المسرحيين لتطمئن على حالته الصحية ولتطمئن عموم المسرحيين المتابعين لهذا الاحتجاج بقلق وتوجس كبيرين.
حينما يتحول القلق إلى أسلوب حياة
إن هذه الصيغة القلقة من الدعم تخلق العديد من المشاكل وتعيق تطور المسرح المغربي، وتضعف تأثيره داخل المجتمع، كما تفقده المكانة التي ينبغي أن يحتلها، ويصبح عموما القلق هو أسلوب حياة المسرحيين والفرق المسرحية، كما يصبح سمة ثابتة من سمات الإنتاج والتلقي المسرحيين في المغرب.
ومن المشاكل التي ينتجها القلق:
– عدم وجود فرق مسرحية قارة، وثابتة، تتطور تجربتها كل موسم، مستفيدة من أخطاء المواسم السابقة.
– تكون فرق عديدة صغيرة وآنية من فنانين من خلفيات مختلفة (الهواة – خريجو المعهد الجدد – المحترفون)، تلتقي لموسم واحد، ثم تفترق في نهاية الموسم. وبالتالي لا تستطيع هذه الفرق أن تخلق صورة بملامح قارة لدى جمهورها.
– اشتغال الفنان الواحد في عدد كبير من الأعمال المسرحية في موسم واحد، وأحيانا كثيرة في أعمال مختلفة التوجهات، وهو ما يسبب تشتت مجهوده، خاصة وأن جل الأعمال تُنتَجُ في فترة واحدة، وكل ذلك قلقا وخوفا من أن يظل الموسم القادم عاطلا عن العمل.
– تسلط عدد من الأشخاص الانتهازيين على المجال المسرحي، والذين يرفعون شعار المادة قبل الفن.
– الإعداد السريع للأعمال حتى تقدم في التاريخ المطلوب مع التنصيص على أن ممثلا واحدا قد يعمل في ثلاثة أعمال أو أكثر.
– تقديم العروض بسرعة ودون تخطيط مسبق لجولة تسبقها الدعاية اللازمة والإشهار الكافي لجلب الجمهور.
– مجانية الفرجة المسرحية.
– خلق صراعات داخل الجسد المسرحي المغربي، حيث يتم الاحتجاج دائما على لجنة الدعم من قبل الفنانين الذين لم يحصلوا على الدعم، هذه اللجنة التي تتكون من فنانين أيضا، يتم تغييرهم كل سنتين، ويحدث أن يغضب بعض الفنانين على زملائهم لأنهم كانوا في لجنة حرمتهم الدعم، وفي حالات ينتقم بعض الفنانين حينما يأتي دورهم ويتم إدراجهم داخل لجنة الدعم. وطبعا الجسد المسرحي المغربي يمتلأ بعدد هام من الفنانين المخلصين لعملهم، والذين يترفعون عن مثل هذه الأفعال.
– عدم اهتمام المغاربة بالمسرح؛ حيث صار معلوما أزمة الجمهور التي وصلت إلى حد خطير جدا.
وقد تبدو بعض المشاكل الواردة أعلاه أكبر من أن تكون نتائج.
ويعد موسم 2014 – 2015 يغدو نقطة إصلاحية حاولت وزارة الثقافة معها التقدم بإصلاحات جديدة، حيث تم إصدار قانون دعم جديد، يضم مجالات جديدة للدعم :
1- تنظيم والمشاركة في المهرجانات والتظاهرات المسرحية
2- مسرح الشارع
3- توطين الفرق بالفضاءات المسرحية: وينص هذا المجال على إلحاق فرقة مسرحية بقاعة ما، حيث يتم تقديم مبلغ مجز للفرقة من أجل ثلاث سنوات، عليها في هذه الفترة، أن تقدم برنامجا متكاملا لتنشيط القاعة الموطنة بها، يضم عروضا مسرحية، وما شاءت الفرقة من أنشطة أخرى، كالورشات التكوينية، والندوات وحفلات توقيع كتب..
غير أن إقرار سياسات جديدة لا نظنه سيكون فعالا في تطوير المسرح المغربي وإكسابه المكانة التي يستحقها داخل المجتمع. فمقاربة الدولة لمجال المسرح، يشوبها دائما شيء من النقصان، ونرجع هذا إلى ثلاثة أسباب :
– عدم اقتناع الدولة التام بأهمية المسرح ودوره في التنمية، فالواضح  أن الدولة تريد للمسرح أن يتطور لكن في حدود معينة.
– توجس الدولة من المسرح والمسرحيين، قد كان هذا التوجس قويا في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حيث كان المسرح صنوا للنضال السياسي ضد المخزن، وهكذا اعتقل المسرحيون وعذبوا بصفتهم مناضلين سياسيين، ومنعت مسرحيات بوصفها بيانات سياسية. وتبقى آثار هذا التوجس ماثلة إلى الآن.
– اهتمام الدولة بأمور تراها أهم، وهي الأمور الاجتماعية، فلا زال يُنظر إلى المسرح بوصفه ترفا.
تؤدي موقعة المسرح من قبل الدولة في رتبة متأخرة من اهتمامها إلى صعود وزراء وموظفين قليلي وعديمي الاهتمام بالثقافة، وغرباء عن المجال الثقافي عموما، حيث تكون طموحاتهم هو أن يتجنبوا المشاكل وليس أن يطوروا المجال الثقافي عموما والمسرح خصوصا.
ما الذي يحتاجه المسرح المغربي في اللحظة الراهنة؟.
يحتاج المسرح المغربي اليوم إلى خلق صيغ اشتغال تتميز بالثبات، وتوفر حياة كريمة لا يشوبها أي قلق لكافة المشتغلين بالمسرح بمختلف تخصصاتهم.
ثم السعي إلى إكساب المسرح مكانة حقيقية داخل المجتمع المغربي، بحيث ينتزع من اغترابه المخيف، فالمواطن المغربي اليوم لا يملك تعريفا ولو مختزلا للمسرح، فأستاذه لم يخبره عنه شيئا، وفي المنزل فإن والديه كانا يحدثانه عن كل شيء عدا المسرح، أما شاشته الصغيرة فتسوق له المسرح المنعوت بثلاث ساعات من الضحك، وجريدته المفضلة فلا تجد في المسرح مادة إخبارية دسمة، وبالمجمل فإن المواطن المغربي قد يصل الثمانين سنة دون أن يكون قد شاهد مسرحية واحدة، ويموت ورأسه فارغ من تعريف للمسرح.
وتقود هذه الوضعية المسرحيين إلى الاغتراب وإلى الإحساس بلا جدوى ما يفعلون، ويشعرون أنهم بدون دور في المجتمع، وهذا يحد من انطلاقهم نحو التخوم العالية من الإبداع والابتكار والإشعاع.
وفي الختام نرى أن الدعم المادي الذي تقدمه الدولة للمسرح، ما هو إلا إنعاش يبقي على المسرح حيا، تماما كقلب الميت سريريا، القلب حي لكنه لا يؤثر في باقي أعضاء الجسم، والمسرح المغربي اليوم حي لكنه عاطل عن التأثير في باقي أنحاء المجتمع المغربي.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح