“خرافة” أو هشاشة الكائن في مواجهة سؤال الحياة والموت – محمد بهجاجي #مهرجان_المسرح_العربي12

“انسحاق الفرد في مواجهة سؤال الحياة والموت”، تلك هي الموضوعة الأساسية لعرض “خرافة” حيث تتمسك الشخصية الرئيسية (الميت اليوم، المسمى قيد حياته ناجح ولد خضرا) بتأكيد أن “الدنيا خرافة. كذبة. فيلم ماسط. سيناريو مكتوب بالصدفة…”.

مسار العرض لا يرتهن فقط بتأكيد ذلك، ولكن أساسا بالمسالك التي خطها العرض للتدليل على كون الدنيا مجرد كذبة…

 منذ مشهد الاستهلال تطالعنا، وفق أداء حركي متناسق، شخصيات بلباس أبيض تجري في كل الاتجاهات بحثا عن شيء ما ليتبين أنها بصدد ملاحقة الشخصية الرئيسية.

يعثرون عليها لتبدأ تجربة المحاصرة إلى نهاية العرض.

 خلال كل ذلك ترتسم أمامنا تشكيلات ضوئية تفيد أننا في مقبرة، وأن رصاصة طائشة أخطأت الطريق فأصابت ناجح ولد خضرا. وبالتالي فهو مطالب بالعودة إلى الحياة الدنيا ليفسح القبر لشخص آخر هو الأحق بالاستشهاد، الأمر الذي يرفضه المطارد مواصلا إعداد  مشروع القانون التنظيمي المؤقت للمقبرة، ومن بنود هذا القانون أن “المقبرة دولة ديمقراطية، الموتى حكامها، وهم سواسية أمام القانون، وأن لكل ميت الحق في السكن، ويضمن لكل الموتى التوزيع العادل للدود”.

لكن أفراد المجموعة يواصلون مطاردته تباعا:

 الأول: صاحب المكان الذي يوجد به قبر الميت،  وهو يرغب في استعادة قطعة الأرض مدعما بشهادة الإثبات.

 الثاني: البديل الذي يطالب بعودة الميت إلى الحياة لأنه سرق موته، وهو يسعى الآن للتباحث معه حول حل ودي.

الثالث: الموت (أو أشباحه) التي تحضر لتقدم اعتذارا للميت. إذ  لم يكن هو المقصود بالاستشهاد. فقط الرصاص الطائش يخلق معادلات أخرى.

الرابعة: الزوجة التي تطلب من الميت عودته إلى الحياة لأنها اشتاقت إليه وتريده إلى جانبها وأبنائها، لكنه يندد بنرجسيتها فلقد “أعطاها كل شيء ولم تعطها شيئا”.

يرفض الميت توسلات ومرافعات الآخرين، ولا يقتنع بمنطق الرصاص الطائش، ولا بجدوى العودة إلى دنيا جوعته وعرته، وألقت به في حروب لم يخترها، بل امتثالا فقط لنزوة الحكام…، ولا حتى بجدوى العودة إلى زوجته (النرجسية)، ويتساءل: هل علينا فقط أن نعود لنصبح وقودا لحروب أخرى قادمة؟ ولذلك اختار المقبرة لأنه هناك “ليس مجرد رقم. بل إنه يصنع وطنا من ظلام”.

 ذلك هو الإطار العام لعرض يتبنى دراماتورجيا مقطعية إذ تتقاسم نسيجه لوحات بكثافة بصرية تتناوب ضمن لعبة الصمت والكلام، الضوء والعتمة، الأبيض والأسود، الصخب والسكينة، وذلك بهدف رصد حياة الفرد في أقصى درجات انهياره، الفرد الذي يدين كل أشكال القهر والنذالة والجحود المحيطة به بعد أن فقد الإيمان بفكرة انتمائه إلى الوطن، بل بفكرة الانتماء إلى الحياة والإنسان. وقد كانت الطريق إلى تأكيد هذا المضمون تبني روح السخرية السوداء القائمة على منطق تصدع المفارقات الصارخة حيث المنفى هو الوطن، الموت هي الحياة، و العزلة هي الأنس. فهل هناك أكثر سوداوية من فرد يترك البلاد والزوجة والأبناء من أجل مقبرة؟ بل إن هذا الفضاء المنظور إليه عادة كعدم، أو كفضاء عدواني يصبح بالنسبة إلى “ناجح” فضاء أليفا إذ يقول “جنتي القبر”.  لذلك اختار أن يجعل ذلك الفضاء وطنا ينظم له نشيدا، ويرفع له علما، ويوجد الزي لمقيميه.

تنبع السخرية كذلك من الهزء بفكرة الاستشهاد “الذي بلا معنى”، إذ يرى الميت أن الجموع يدفع بها إلى “حروب  بلا معنى”.

وتبلغ المفارقات أوجها حين نتساءل حول أي من الشخصيات الميت أو الحي،  وأي الأمكنة مقبرة أو دنيا. ثم يتعزز قرار ناجح برفض العودة إلى الحياة بفكرة أنه حتى إذا عاد فسيدفع به ثانية إلى حرب جديدة يتصور خسارتها أكثر فداحة، ولذلك يستمرئ البقاء ضمن برودة المكان.

جعل المخرج على مستوى الاختيار الفني مفردات العرض معادلا موضوعيا لسخرية الكلمات ولغرائبية الفضاء. إن فكرة الاعتماد على تقسيم فضاء الخشبة إلى توابيت، وعلى تصميم الزي الذي يدثر الممثلين ليجعلهم أشبه بالظلال أو الأشباح، اختيار يقوى من منسوب الغرائبية عبر تأزيم العلاقات بين الميت والمحيطين به لدرجة أن هؤلاء يصبحون مع تنامي متواليات العرض لا مجرد مناهضين أو مطاردين لناجح. بل هم صورة له لدرجة عدم معرفة من يطارد من. الانهيار يتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتتضح هذه الفكرة في الأخير حين يذوب الميت في الآخرين لينبثق ميت جديد في دورة تعيد صراع الموت والحياة إلى مربعه الأول.

مكون آخر ساهم في إثراء العرض: الموسيقى الموحية القادمة إلينا من فضاء الموت، والأداء البليغ للممثلين الذي يتمتعون بطاقات جعلتهم ينافسون صور العرض والكلمات بلعب عالي المستوى.

في ختام هذه القراءة التي أريدها فقط مدخلا للتفاعل مع العرض، وقراءة أولى قد تغتني بالمشاهدة الثانية عبر المراجعة والتعديل، أسجل أن العرض قد يبدو كما اكتمل بالظهور الأول لكل من صاحب القبر، والشخصية البديل، والزوجة، وشبح الموت، لذلك قد يساور البعض الانطباع بأن عودة ظهورهم في المشاهد اللاحقة هو فقط تكرار لمضامين الظهور الأول، فيما قد يرافع آخرون بالقول بأن ما يبدو استعادة المقاطع هو نوع من ترسيخ لفكرة الجدل الحاد بين إرادتي الحياة أو الموت، خاصة إذا تصورنا أن الوقائع تجري كما لو في كابوس.

 “خرافة” عرض يقتفي، بتنويع واجتهاد، بعضا من خطى أبي العلاء المعري ومحمد الماغوط وعموم المفكرين والأدباء العبثيين الساخرين فهو يثير السؤال حول معنى الوجود الإنساني حين يقيم على الهاوية. يستفز أحيانا بجنوحه المشاكس وبقسوة أسئلته، ويمتع أحيانا أخرى ببلاغته الفنية، لكن الأساسي هو أنه يعزز الإيمان بالمسرح حين يعبر عن اختيار جمالي جريء.

 محمد بهجاجي – المغرب

ورقة نقدية / تعقيب عن العرض ضمن فعاليات الدورة 12 لمهرجان المسرح العربي بالاردن)

*خرافة . نص عبد النبي الزيدي من العراق – و إخراج أيمن نخيلي من تونس. . تونس

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح