أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / جماليات الميديولوجيا في عرض “الأرملة السوداء ” د.بشار عليوي

جماليات الميديولوجيا في عرض “الأرملة السوداء ” د.بشار عليوي

 

جماليات الميديولوجيا في عرض “الأرملة السوداء “

د.بشار عليوي

لأنَّ ” المسرح وسيط موَسَعْ يَعرض وسائط أُخرى” كما يذهب الناقد المغربي د.خالد أمين , فقد عَنيتْ “الميديولوجيا” بالوسائط باختلاف أشكالها وصورها وهذا يتجسد في العرض المسرحي المُعاصر بما عُرِفَ عنهُ من حيوية تامة قادرة على استقطاب جميع

الاكتشافات الجديدة والنتاجات الفكرية المُعاصرة , اذ نالت الوسائطية اهتماماً واضحاً في العصر الحالي عند غالبية المسرحيين في شتى أنحاء العالم وجاء هذا الاهتمام من قبل المسرحيين حول العالم بها وعلى نطاق واسع وفقاً لتمظهرات العصر الحالي الذي سادتْ فيهِ الوسائط وأصبحت سمتهُ البارزة لهُ , بعدما فتحت جماليات الميديولوجيا في العرض المسرحي , آفاقاً عديدة أمام غالبية المسرحيين حول العالم من أجل تحديث وتطوير رؤاهم الجمالية والفكرية , مما ساهمَ في تحديث وتطوير العرض المسرحي عموماً , وأكّد السيادة الواضحة للميديولوجيا على جميع المجالات الثقافية والفنية ومنها المسرح في عصرنا الحالي بوصفها إحدى تمظهرات هذا العصر , لقد غيرت جماليات الميديولوجيا وخلخلت الكثير من الأُسس والمبادئ الفلسفية لدى غالبية المسرحيين ممن كانوا ينظرون الى الفُرجة المسرحية عموماً نظرة ساكنة خاضعة لقواعد درامية معروفة , بخلاف المسرحيين العرب الذين لم يعترفوا بعد بأن تغير وسائل إنتاج المعرفة الإنسانية وسرعة انتقالها سمعياً وبصرياً بفضل حضور الميديولوجيا وتمظهراتها في مُختلف مناحي حياتنا المُعاصرة , قد أسهم إلى حد بعيد في إعلان نهاية الفرجة التقليدية على المُستويات والصُعد كافة ومنها المسرح وهذا هو حال غالبية تجاربنا المسرحية الناطقة بالعربية وسبب عدم مواكبتها الراهنة لمُجمل التحولات الجديدة في المسرح العالمي لذا فإن مصيرها الحتمي الانفصال عن جمهورها وأن تتباعد المسافات بينها وبينهم لأنهم صاروا يجدون في الفايسبوك وتويتر وانستغرام ومُتابعة مباريات كرة القدم العالمية الأداء الأمثل لتلبية حاجاتهم الفرجوية كبديل عن الفُرجة المسرحية التقليدية , فجماليات الميديولوجيا في المسرح قد ساعدت على كسر الحواجز المُشتركة ما بين المسرح وبقية الفنون عبرَ حضور الوسائط وسيادتها عصر الشاشة الفيديوسفير Videosphere  وفقاً للمفكر الفرنسي “ريجيس دوبري” , الذي نعيشهُ حالياً وهذا ما سيقودنا إلى نهاية مُجتمع الفُرجة , أن سيادة الميديولوجيا ترتكز على تحفيز التفكير البشري عبرَ البصر من خلال جميع تمظهراتها التي دخلت في جميع مجالات الفكر والثقافة الإنسانية ومنها المسرح , لذا اهتم بها غالبية المسرحيين في العصر الحالي , وبذا فقد اعتمد المسرح على استثمار مُجمل تمظهرات الميديولوجيا كالفيديو والفتوغرافيا والوصلات السينمائية والإشهارية والمؤثرات البصرية والصوتية واستخدام المايكروفونات والشاشات المُتعددة والكومبيوتر الذي ساهمَ في تطوير الصورة المشهدية للعرض المسرحي عبرَ وسائط تقنية عديدة , اذ تسعى الميديولوجيا لإغناء المسرح بتمظهراتها الفكرية والجمالية وإعطائه شكلاً جديداً , ولهذا أصبحت الميديولوجيا تتمتع بحضور أساسي في العرض المسرحي العربي بشكل عام والمسرح العراقي على وجه الخصوص  والذي تأثرَ هوَ الآخر بالتطورات والتحديثات التي طرأت على المشهد المسرحي في العالم عموماً والعربي خصوصاً , بفعل انفتاح المسرحيين العراقيين على هذهِ التطورات الحديثة , خصوصاً تجارب المسرحيين العراقيين الشباب , فالتحولات والتغيرات الكبيرة والرجّات السياسية والأمنية والاقتصادية العنيفة التي عَصفتْ ببُنية المُجتمع العراقي قد خَلخلت الواقع الاجتماعي , مما انعكسَ كُلَ ذلكَ على الرؤى والأساليب الاخراجية التي تبناها المسرحيون العراقيون الشباب وفقاً لطروحاتهم وتصوراتهم الفكرية عن واقعهم الحياتي المُعاش , مما حدا بهم الى إعادة تشكيل خطابهم المسرحي الفكري والجمالي وفقاً لتلكَ الطروحات والتصورات التي تمثلت بضياع الثقة في مُستقبلهم ومُستقبل بلادِهم وعدم الإحساس بالأمان وتقلص فُرص العمل المُتاحة أمامهم والتي من شأنها تحقيق مُستقبل آمن لهم …. وغيرها , بالإضافةِ الى أن تَكْوّنْ مرجعياتهم الفكرية قد نشأ في ظل التطورات الحاصلة في العصر الحالي الذي شهدَ سيادة الميديولوجيا بجميع تمظهراتها ولعلَّ أبرز تلكَ التمظهرات هوَ حضور الوسائط في مُختلف مناحي الحياة فجميع أنساق حياة هؤلاء المسرحيين العراقيين الشباب قد إرتكزت على الاستفادة القُصوى من تمظهرات الميديولوجيا على اختلافها مما حدا بهم الى استثمار ذلكَ في عروضهم المسرحية التي قدموها ومنها عرض (الأرملة السوداء) للمخرج العراقي الشاب(منتظر سعدون لفته) أنتاج كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل وفرقة جامعة بابل للثقافة والفنون , أذ تنوعت جماليات الميديولوجيا في هذا العرض من خلال حضورها الواضح في مُجمل مفاصلهِ , إذ يلجأ صُناعهُ الى استثمار مُختلف أنواع الوسائطية وكما يأتي :

  • تنفيذ وبث وصلة فيديوية إشهارية للترويج عن العرض عبرَ وسائط التواصل الإجتماعي وتحديداً في (Facebook) قبل موعد العرض الحي بأيام عِدة , كتعبير عن هيمنة الوسائطية على نمط حياة المسرحيين الشباب وانعكاس ذلكَ على طرائق تقديمهم لعروضهم المسرحية , وهذهِ إحدى جماليات الميديولوجيا الفكرية والجمالية المُتجسدة في هذا العرض .
  • استثمار وسيط المسرح الأسود مع بداية العرض تُشهر عن ماهية ذوات صًناعهِ , وهذا الاستخدام لهذا الوسيط وبهذهِ الصورة , هوَ مُغايرة عند صُناع عرض (الأرملة السوداء)عن مُجمل العروض العراقية بُغية تطوير الصورة المشهدية للعرض عبرَ وسيط الإشهار .
  • عنونة (الأرملة السوداء) بوصفها شكلاً من أنواع الإشهار عن ماهية العرض الذي يُفصح عن ماهية السُلطة والمُتحكمين بمصائر الشعوب وكناية عن ماهية الأرملة السوداء التي تُعرف بأنها من أشد أنواع العناكب خطورةً على حياة الانسان , لانها تلدغ من يقترب منها , وهوَ تماهي مع قسوة المُتحكمين بالسُلطة ممن يلدغون من يقترب منها وفقاً لتبديات العصر الحالي وهذا يُعد أحد جماليات الميديولوجيا في هذا العرض .
  • إِن حضور الميديولوجيا في العرض لهُ العديد من التمظهرات, فقد تجسدَ هذا الحضور بوجود وسيط النص البديل (Subtitle) والمبثوث عبرَ الشاشة الافتراضية الخلفية والمُتضمن تعليقات مُستلة من حياة العناكب , بُغية مواكبة العرض الحي ومُغايرة مقصودة عند صناع العرض عما يجري من أحداث درامية ما بين شخوصهِ الأساسية وهذهِ إحدى جماليات الميديولوجيا , فضلاً عن أن تلكَ الشخوص هي وسائط بحد ذاتها , فشخصية الشاب الأول, وشخصية “الشيخ” وسيطين يُجسدان الحضور العياني للميديولوجيا .

أن اهتمام صُناع عرض (الأرملة السوداء) بدور الوسيط فيهِ يؤكد أنَّه نابع من أدراكهم بأهمية حضور الميديولوجيا داخل العرض المسرحي , ويؤكد سعيها للاهتمام بالوسيط وتبيان وظيفتهِ في إيصال خطاب العرض عموماً ودورهِ المحوري المُتجسد بجماليات الميديولوجيا وباستخدامات تلكَ الوسائط وفقاً لمُعطيات العصر الحالي الذي أصبحت فيهِ الثقافة البصرية هي الحاضرة .

 

 

 

عن Administrator

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.