أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / أخبار مهرجان المسرح العربي / تواصل فعاليات رم 2 المسرحي في عمان بمسرحية “بحر ورمال” وندوة تقييمية تعاين مفردات العرض عمان – أحمد الطراونة

تواصل فعاليات رم 2 المسرحي في عمان بمسرحية “بحر ورمال” وندوة تقييمية تعاين مفردات العرض عمان – أحمد الطراونة

 

 

تواصل فعاليات رم 2 المسرحي في عمان بمسرحية “بحر ورمال”

وندوة تقييمية تعاين مفردات العرض

عمان – أحمد الطراونة

سفينة ثقيلة بأشرعة بالية، وحركة دائرية في بحر من الرمل، ونص يدور في فلك غير معروف النهاية والبداية (لقد أنتهى عصر الأشياء المفهومة)، ممثلون يصرخون ولا معنى لصراخهم، الشعور باللاجدوى والقلق المستمر من الحاضر والمستقبل يسيطر على الحوار، عزلة وانفصام وانفصال في الروابط وانحدار في القيم، الإيمان بالأسطورة (أنه يمشي على الماء)، ورتابة وإيقاع بطيء يفضي إلى الملل المقصود والمستفز، وغيرها الكثير في عرض “بحر ورمال” للمخرج د.عبدالسلام قبيلات والذي عرض مساء الجمعة على مسرح هاني صنوبر في المركز الثقافي الملكي وضمن فعاليات مهرجان رم المسرحي في دورته الثانية والذي تقيمه نقابة الفانيين الأردنيين وبدعم سخي من حاكم الشارقة الشيخ د.سلطان بن محمد القاسمي، والهيئة العربية للمسرح.

في النص الذي كتبه الكاتب ياسر قبيلات نرى قدرة الكاتب على اختزال وتكثيف جمل العرض لتدفعنا للبحث عن ما وراء مسلمات الخطاب المعتادة، مما خلق التحدي الكبير أمام المخرج في الانصياع وراء الرؤية التي تؤكد أهمية أن الأشياء المرئية في مسرح العبث أكثر أهمية من الحوار، فكان عليه أن يعمل من أجل ايصال المعنى والمبنى للعمل والذهاب لما وراء اللغة، وهذا ما يحسب لقبيلات المخرج الذي قدم رؤية إخراجية ملخصة ومكثفة أيضا بعيدة عن المباشرة وتسطيح الفكرة البذرة للعرض.

تخلّى قبيلات الكاتب عن لغة السرد الواقعية ذات المعنى الأحادي لصالح السرد المتعدد المعاني كمقولة “كلما القيت الدلو بالبحر امتلأ بالرمل”، والتي تكررت كثيرا على السنة الممثلين، فقدم مصطلحات غامضة تستثير العقل وتحفّز ذهنية المتلقي وتمارس تسلطها عليه، إضافة إلى كسرها لحضور الحدث المركزي والتقليل من أهميته خاصة وأنها ترصد حركة دورانية في الزمان والمكان، فضاعت الساعة وتعطّلت البوصلة.

يطرح النص قصة غير واضحة المعالم، تستند إلى فكرة مهمة هي الانتظار الممل، حيث يظهر أن السفينة التي يجلس عليها القبطان الذي يرمز للسلطة وتكلسها وارتخاء قدراتها،  وظل السلطة الذي ينسحب منها ويكرر مقولاتها، ولا يستطيع أن يفعل شيء بدون توجيهاتها أو النخب التي تستند عليها السلطة في تمرير ما تريد، والفتى الذي يمثل دور المتمرد والمحب والذي تصلبه السلطة وأذنابها على سارية السفينة وتغلق فمه ليستطيع التحرر والانفلات من عقالات السلطة فيما بعد ويهرب ويكتشف زيف ما كان يعيش فيه، والفتاة التي تحبه وتصارع من أجل أن تغير الواقع معه، لكنها تغتصب أو يقع عليه الاعتداء في المستوى الأسفل من السفينة أو من مناطق الصراع، والمرأة التي تروي أو تفسّر بعض الغموض في الأحداث، ورغم عدم تطور شخصيات هذا العمل وهو ما يريده المخرج حيث يؤكد من خلال ذلك أننا نحن أيضا سببا من أسباب تخلفنا لأننا لم نطور ذاتنا أو لم نتمرد على واقعنا وصدقنا كل المقولات المعلبة والتي سوّقت علينا منذ عشرات السنين “ترفض سلطات المرفأ ذلك وتقول أن على السفينة حمولة غير مأمونة” وكأنه أيضا يريد أن يقول أن قصة الأمن قد اجهدتنا وأوقعتنا في براثن الخوف غير المبرر، ليكتشف الجميع وبعد أن تنهزم السلطة لصالح ظلها، ويحقق مساعد الكابتن ما يريده من امتلاك للسلطة وامتلاك لكل شيء شخصي من خلال اشارة الغليون الذي كان يرفض أن تعمل ولاعته في ظل السلطة السابقة، فيبدأ بالتدخين بعد أن اعتلى السارية في حين أن الفتاة التي جاءت لتروي وتفسر الاحداث ما تزال تكرر مقولتها “يمشي الآخرون ولايغرقون ولاتمشون أنتم وتغرقون” في إشارة لتأخر الأمة عن ركب الحضارة، ليجلس الظل على الكرسي في حركة دوران مقيته ومملّة في سفينة يشك أهلها أنها تحركت أصلا في بحر من الرمال الذي رست فيه، وفي إشارة أخرى إلى انكشاف أسرار السلطة للعامة بعد الربيع العربي.

يدرك المتلقي في اللحظة الأولى حجم الديكور الضخم والعمل والجهد المبذول في إنشاء هذه الارشادات والدلالات البصرية العميقة من خلال السفينة التي ظهرت بمستويات مختلفة لتؤكد طبقية الصراع وعنفه وعدم نضجه لصالح أي جهة، إلا أن مؤثثات المسرح بما فيها الإضاءة والموسيقى والديكور وغيرها أسهمت بشكل واضح في إيصال رسائل العرض التي جاء بها النص والتي تؤكد دورانية الحركة في الصراع بين السلطة ونفسها وبين السلطة ومعارضيها، لتولد في كل الاحيان نفسها وشكلها ومواصفاتها في حركة عبثية دورانية لا تؤدي الغرض، مما أفقد الشخصيات شكلها وروحها وتميزها عن بعضها البعض، ففقد الجميع البوصلة إن لجهة الجغرافيا والمكان، أو لجهة الزمان.

واقعية الديكور والتي تمثل مساحة من سفينة ترتفع ساريتها وأشرعتها وسط المسرح، وأقواس موزعة بدقة تؤطر السفينة وتحدد ملامحها، إضافة إلى الكرسي الذي يجلس عليه القبطان، وأرجوحة الحبال، والطابق السفلي لسطح السفينة والدلو وغيرها من الاشارات الأخرى التي تؤكد للمتلقي ما يريد الذهاب اليه المخرج خاصة التنورة الحمراء التي تلبسها نساء العرض، استخدمت جميعها وبما يبرر سبب وجودها على المسرح.

وعلى صعيد الموسيقى التي انطلقت بهدير البحر وأصوات النوارس فقد قدمت المسرحية جملة موسيقية توافقت مع متطلبات العرض الفنية، في حين جاءت الإضاءة هي الأخرى أكثر اندغاما مع مكونات العرض فحملت مقولته وأسهمت في تجسير الفجوة بين النص المنطوق والمتلقي.

وقدم الممثلون أداء جيدا اتكأ على قدرات وخبرات الممثل رشيد ملحس والممثل عدي حجازي، وفرض معتصم سميرات حضوره لامتلاكه حيوية الإيقاع والاندفاع، فيما تصاعد أداء دانا أبو لبن في إيقاعاتها وقدمت عرضا جيدا، في حين كانت حياة جابر ذات حضور رشيق وخفيف على الخشبة، وساعد هذا الأداء على تكوين ملمح واضح عن القبطان العاجز الذي يعبر عن السلطة والنخب التي أصبحت ظلّ للسلطة، وباقي الشعب بألوانه المختلفة ومن خلال رؤية إخراجية أسهمت في استنطاق جميع العلامات الجسدية والقدرات الإبداعية فقدمت الشخصيات مونولوجات مختلفة حملت العديد من المحمولات الفكرية التي أكدت تكلس الانظمة العربية وعدم قدرتها على العطاء والدعوة لتجديدها.

يشار إلى أن النص الأدبي من تأليف: ياسر قبيلات، التأليف الموسيقي والتوزيع: موسى قبيلات، مساعد مخرج: حسام زغموري، تصميم الديكور: فيكتور أنتونوف، إضاءة: خالد الزعبي، تصميم الحركة: عمر الضمور، إدارة خشبة: ناصر شحده وعناد بن طريف، تنفيذ الديكور: ناصر شحده.

 

ندوة تقيمية للعرض تعاين جوانبه الفنية

وعقدت بعد العرض ندوة فنية تحدث فيها الفنان وصفي الطويل وأدارها والناقد جمال عيّاد بحضور نقيب الفنانين حسين الخطيب ومدير المهرجان د.محمد خير الرفاعي وأعضاء لجنة التحكيم وفريق العمل وجمهور كبير من الفنانين والإعلاميين والمهتمين.

وقال الطويل في معرض تفكيكه للعرض  أن مسرحية “بحر ورمال” تخترق دائرة اللامعقول وتدور أحداثها على سطح سفينة قديمة، والتي تنتظر أن تسمح لها السلطات بأن ترسو، وأخذت السفينة وقتا طويلا من الانتظار بسبب حمولة غير آمنة، وبدأ يظهر عليها علامات التصدع والتشقق، وبدأ الركاب يفقدون صوابهم ورشدهم وعقولهم فيما بينهم، ليكتشفوا في النهاية أنهم لم يبحروا وإنما هم موجودون فعلا على الشاطئ.

وأضاف الطويل أن المخرج وفريق عمله قدموا لنا عرضا مسرحيا طويلا مشوقا فيه الكثير من الأسئلة والاستفسارات التي تجول في أذهاننا والتي هي بحاجة إلى إجابات ليؤكد لنا على عبثية الوجود وفوضى الواقع وأن الشخصيات المقدمة مهمشة منعزلة تنتظر والعالم كله في حالة ارتباك مستمر، مشيرا إلى أن المخرج نجح إلى حد كبير في نقل الإشارات والرموز والشيفرات المراد إيصالها من خلال حركات إيمائية وجسدية متنوعة بعيدة عن الحوارات الطويلة، وهذا دليل على الجهد من الممثلين في التكنيك والأداء والتواصل ما بين الفريق، فكانت الكيمياء حاضرة ما بين فريق العمل من خلال حوارات عالية الإحساس مكثفة بالمعنى وممتلئة بالتناقضات، وكان للصمت حضورا على سطح السفينة، وجاءت الموسيقى والسينوغرافيا بأجواء العبث ورتابته المقيتة لخدمة العرض.

وجرى نقاش واسع أكد فيه الحضور على أهمية العمل وتميزه في حين أكد مخرج المسرحية د.عبد السلام قبيلات: “إننا كفريق عمل أردنا إيصال فكر معين من خلال الفن وأتمنى بأننا نجحنا على الأقل بأن نستفز الأسئلة في أذهان الجمهور مع أمنيتي أن يكون العرض قد حقق شيئا من المتعة للجمهور”.

وعن سبب طول العرض والرتابة التي فيه قال قبيلات: إن هذا جزء مما هو مطلوب من المسرحية لتعكس ما أراد المخرج وفريق العمل الوصول إليه وأنه مقصود لظرفها في المكان والزمان.

يشار إلى أنه سيعرض في الثامنة من مساء اليوم السبت وعلى مسرح هاني صنوبر في المركز الثقافي الملكي مسرحية “ماسكارا” للمخرج عبدالله جريان.

وسيقوم فريق الهيئة العربية للمسرح بلقاءات موسعة مع الفرق المسرحية ووزارة التربية والتعليم في سياق الترتيب لمهرجان الهيئة العربية للمسرح في عمان مطلع العام القادم.

 

 

عن Administrator

مسؤول الإعلام الالكتروني في الهيئة العربية للمسرح ومحرر الموقع