fbpx
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / “بنطلون” سعدالدين وهبة في لون عصري / شريف الشافعي

“بنطلون” سعدالدين وهبة في لون عصري / شريف الشافعي

المصدر / العرب / نشر محمد سامي موقع الخشبة

“بنطلون” سعدالدين وهبة رداء من الماضي لكنه يناسب تماما إنسان العصر الحالي بعد اشتغال “الترزي” عليه بعناية.

شهدت القاهرة حديثا تقديم العرض المسرحي “بنطلون معالي الباشا” إخراج هاني مهران وإنتاج فرقة “فلسفة” المستقلة عن الدولة، ويقدم العرض ثوبا عصريّا لكوميديا تقليدية صاغها سعدالدين وهبة للسخرية من الأوضاع السياسية بمصر، ويعكس العرض الجديد تفوقا لافتا للفرق الحرة والمستقلة في مصر قياسا بمسرح الدولة.

وتعد مسرحية “بنطلون معالي الباشا”، التي قدمتها “فلسفة” أخيرا على مسرح الساقية الخاص، من النصوص غير ذائعة الصيت للكاتب سعدالدين وهبة (1925-1997)، وقد نُشرت مع مسرحيات أخرى “من فصل واحد” في كتاب “الوزير شال التلاجة” الصادر عن الهيئة العامة للكتاب في 1980.

ثنائية الماضي والحاضر

تدور “حكاية البنطلون” في أربعينات القرن الماضي، وتسعى المعالجة الجديدة وفق رؤية الدراماتورج محمد سمير والمخرج هاني مهران، إلى الاشتغال على ثنائية الماضي والحاضر، بإلباس كوميديا سعدالدين وهبة ثوبا عصريّا، ومن ثم يمكن تأويل السخرية من ألاعيب السياسة وأجوائها الهزلية وتفاصيلها المزرية في أحداث العرض بأنها إحالات رمزية إلى ما يجري في الواقع الراهن.

الإضافات التي أدخلها صنّاع العرض إلى النص تؤكد رغبتهم في الإيهام بأن المسرحية تتناول العصر الحالي، ويكفي التمثيل لتلك الإضافات بمقاطع الأغنيات الحديثة التي تخللت حوارات العرض واستعراضاته، فإلى جانب بعض أعمال سيد درويش “أهو ده اللي صار”، هناك أغنيات: “الحق عليه” لحكيم، و”زحمة” لأحمد عدوية، وهناك أيضا رقصة “كيكي” (أحدث صيحات 2018).

هي مسرحية ماضوية تحمل ظاهريّا سخرية كوميدية تقليدية من الأوضاع السياسية بمصر في أربعينات القرن الماضي، حيث الاستعمار البريطاني والحكومات غير المستقرة (ومنها حكومات اليوم الواحد التي تنحلّ عقب تشكيلها) والفساد الحزبي والديمقراطية الشكلية، وعلى الجانب الآخر، هي نسيج تعبيري جديد مغاير يسلط الضوء على مفاسد العصر الحالي وينتقد أوضاعا هزلية سائدة.

تستعرض المسرحية، من خلال الشخوص المتحاورة والراوي العليم، عبر فصل واحد يستغرق قرابة ساعتين، تشكيل وزارة جديدة، حيث تتسرب للإعلام الأسماء التي انتقاها رئيس الحكومة، ويستعد الوزراء المرشّحون لأداء اليمين في قصر عابدين، ومنهم محروس باشا.

يتسلح محروس باشا ببرنامج جيد للإصلاح، وقبيل حلف اليمين يلجأ إلى الخواجة اليوناني جورج “ترزي الباشوات” لكي يفصّل له بنطلونا أنيقا يليق بهذه المناسبة. ويستغل الجهاز الأمني الفرصة لزرع سماعة تجسس خاصة محل أحد أزرار البنطلون بمعرفة الترزي العميل، وتتسرب للأمن وللحزب الذي ينتمي إليه محروس من خلال السماعة والترزي معلومات “عادية” تخص محروس، لكنّ أعداءه يستغلونها ضده، ويلفّق الأمن له التهم.

تصل الهزلية إلى منتهاها عندما يصبح مصير محروس باشا مرهونا بالبنطلون، وعندما يحترق البنطلون بالخطأ تحت مكواة الترزي الخائن جورج، يخشى جورج سوء العاقبة، ويرى ساعتها أن الحل “الأسهل” للخلاص من ورطته هو استبعاد محروس باشا من المقعد الوزاري، وبالتالي فإنه لن يسأل عن البنطلون، ولن يكتشف أنه احترق. بالفعل، يستفيد جورج من علاقته بعصمت هانم زوجة دولة رئيس الوزراء الذي يشكل الحكومة، وينجح في خطته.

أفكار وتقنيات مبهرة

ألاعيب السياسة في عرض كوميدي
ألاعيب السياسة في عرض كوميدي

تطرح مسرحية فرقة “فلسفة” أفكارا متعمقة تخص الغدر والخيانة وتعرض الإنسان للاغتيال المعنوي بسبب أولئك الذين يظنهم أقرب الناس إليه، بينما هم أعداؤه الحقيقيون. وتلقي الضوء على توغل الأجهزة الأمنية والمخابراتية في إدارة البلاد، وتحوُّل السياسيين الفاسدين إلى واجهة للقبضة البوليسية التي تحكم البلاد فعليّا.

تتآزر التقنيات المسرحية المبهرة مع الأفكار المضيئة التي يقترحها عرض “حكاية البنطلون”، فالممثلون أحمد صلاح وبلال حسني ودعاء الزيدي وباسم أسامة وغيرهم جرى انتقاؤهم وتوظيفهم بدقة لأداء شخصيات ازدواجية صعبة، تنتمي إلى الماضي والحاضر في آن واحد، وتتحدث بطريقتين مختلفتين وفق زمن الأحداث.

يتمتع أبطال العرض بالقدرة على المزج بين التمثيل والاستعراض والغناء، فضلا عن الارتجال والخروج المحسوب عن النص، على غرار أجواء “مسرح مصر” المرحة، لإضفاء الحركة والسخرية والطابع الكوميدي على المشاهد.

أضفى ديكور العرض وإضاءته وملابسه مصداقية على الأحداث، التي تتوزع بين سراي دولة رئيس الوزراء، ومحل ترزي الباشوات “لا مودا جورج”، وقدم صنّاع العمل توازنا بصريّا ونفسيّا بين أربعينات القرن الماضي بما فيها من بطء وكلاسيكية ولغة متقعرة، والعصر الحالي بسرعته وارتباكه وقلقه ونزعته الاستهلاكية ومدخلاته اللغوية.

“بنطلون” سعدالدين وهبة، رداء من الماضي، لكنه يناسب إنسان العصر، بعد اشتغال “الترزي” عليه بعناية، فهو خياط مصري أمين في هذه المرة، وليس كالخواجة الانتهازي جورج بطل العرض.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.