أخبار عاجلة
الرئيسية / عين على المسرح العربي / بطولة” بين تقنية الكولاج وفلسفة التنوير

بطولة” بين تقنية الكولاج وفلسفة التنوير

مسرحية محمد حسين حبيب عرض تميّز بضبط عالٍ في مستوى الأداء وجماليته، مشفوعاً بضبط تقني سمعي بصري برؤيا فلسفية إخراجية ناهضة.
 حبيب اتكأ على بنيةٍ نصيةٍ مشتتةٍ لشخصيات مسرحية وُسِمت بالبطولة، سواء كانت هذه الشخصية بطلاً تراجيدياً سلبياً أم إيجابياً
 المخرج يبدأ بشخصية شارلي شابلن بمشيته المعهودة، ليكون كما كان رمزاً لذلك الصعلوك والمتشرّد والمتسكع، ليضبط إيقاع العرض

على خشبة كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل، قُدّم يوم الخميس 16/ 5 عرض مسرحية “بطولة” إعداد وإخراج التدريسي والمخرج المسرحي د. محمد حسين حبيب، تقديم طلبة المرحلة الرابعة فرع الإخراج، وهي تجربة ناجحة في نقل الدرس الأكاديمي بشقيّه النظري والعملي إلى مستوى العرض والتلقي، مغادراً الدرس المغلق والضيق، وذلك لإتاحة الفرصة للطلبة في تقديم نتاجاتهم المعرفية والجمالية من جهة، وترجمة هذه الحصيلة الجمالية والجهد المعرفي تفاعلياً مع المتلقي من جهة أخرى، ليتحصّل كلٌ من الطالب المُنتج للخطاب المسرحي والمتلقي على لذةٍ جمالية وفائدة معرفية.
اتكأ المخرج على بنيةٍ نصيةٍ مشتتةٍ لشخصيات مسرحية وُسِمت بالبطولة، سواء كانت هذه الشخصية بطلاً تراجيدياً سلبياً أم إيجابياً، محاولاً ربط هذه الشخصيات البطولية بحواراتها الدالة عليها، ضمن إطار لوحةٍ كليةٍ واحدة، لتؤشر بشكلٍ أو بآخر على أن التاريخ يسجل حوادثه، وتبقى الأشياء راكزة في الذاكرة، فضلاً عن وسم الشخصية بسلوكياتها وتأثيراتها، وما خلفتّها في وجدان الأنا الجمعي، سلباً أم إيجاباً، وإن التاريخ في سيرورةٍ وامتدادٍ لا يمكن الفصل في يومياته أو بالإمكان المحو والشطب أو تزويره. فالتاريخ حاضر وماضٍ حتى وإن حمل في مطوياته نشوزاً أو قصوراً أو تزويراً.
فالبنية النصية في مسرحية “بطولة” تمأسست وفق تقنية الكولاج، إذ تأثثت مدونة النص وفق قاعدة القص واللصق، وهي تقانة فنية قائمة على مبدأ التجميع، لتكوين عمل فني جديد، وهو تجميع استند وفق رؤيا جمالية منضبطة على مستوى فسلفة الطرح لخطاب العرض، متخطياً ما يسمى بـ “التجميع العاجز” أو التجميع لأجل التجميع، أي هناك قصدية ورؤية مطروحة للنقاش، بغية بلورتها وصقلها وتقديمها بشكل فني جمالي.
وفي عرض مسرحية “بطولة” جُمِعت مشاهد لشخصيات بطولية من نصوص مسرحية شتى، تنوعت في اتجاهاتها وطُرزها ومذاهبها، إلا أنها ارتبطت بفكرة أو فلسفة جمالية واحدة، إذ كان مفهوم “البطل” فيها هو السائد، البطل الذي يقود، وإن هذه الشخصية أخذت مناحي وأوصاف مختلفة ومتنوعة، ذلك حسب مرجعياتها الفكرية والجمالية من ناحية، ومن ناحية أخرى تسيُد هذه الشخصية وتمظهرها في الأمكنة والأزمنة كافة، وكأن لسان حال فلسفة خطاب العرض يقول، إن هذه الشخصية لا بد منها بالنسبة للآخر الذي هو أدنى منها، وإن الفرد منا لا بد له من بطل يسيّره ويكون تابعاً له. ويعُد هذا المنحى استلاباً للذات وقمعاً لبنية الفرد الوجودية والقيمية والأخلاقية، وإن هذه التبعية المُنقادة والعمياء تظل ملاصقة وذا بعد سيروري، طالما هناك تمجيد وتصنيم لأفراد ومؤسسات قامعة لحرية الفرد ووجوده وهويته.  

Iraqi theater

ومن هذا المنطلق والمبدأ عَدّ المخرج وصمم بِنية نصه المسرحي، قصاً ولصقاً من نصوص مسرحية شتى، محاولاً إعادة تركيبها وفق مبدأ الشخصية الطافحة بالبطولة، بغية إنتاج نصٍ جديد مفعم وغير منغلق، يتيح بفتحه إسقاط تلك الرؤية الإخراجية عليه، بوصفه نصاً متكاملاً من حيث الاشتغال، أي بمعنى أن المخرج قد أسس رؤيته الإخراجية ومن ثم بحث في تركيبة النص والمدونة النصية. وقد ساوق المخرج بين البنية النصية والرؤية الإخراجية قدر ما يسمح به تجميع الشتات النصي، ليكوّن صورة مسرحية مركّبة وفق تقنية الكولاج، مكوناً مُنتجاً جديداً على نحوٍ ما يتراوح بين النصوص المُركّبة وفلسفة العرض، من خلال تحليلها وإعادة تركيبها وفقاً لفلسفة خطاب العرض.
والملفت للنظر هنا، إن تقنية الكولاج في تركيبة النص، إن المَشاهد المُنتقاة لم تكن مختلفة قدر تناولها ثيمة قد تكون مشتركة يربطها عامل مشترك وهي أن شخصية “البطل” سائرة بإرادتها نحو حتمية قدرها الإرادي مستوعبةً مصيرها رغماً عنها، وبذلك حقق المخرج معادلة موضوعية وجمالية لافتة، وهي المساوقة والمجاورة بين كولاجية النص وكولاجية الرؤيا الإخراجية. 
وبهذه المساوقة وتنوع النصوص المُنتقاة وتنوّع اتجاهاتها ومذاهبها، تنوّعت المعالجة الإخراجية، وتنوّعت الأداءات وتنوّع الإيقاع والوقت والصيغ التقديمية، مما أضفى فتحاً في التلقي وتنوّعاً في المسافة الجمالية بين الرائي والمشهد المسرحي، من خلال إعادة وحدة العلاقات ما بين المؤدي والمؤدي الآخر، والمتلقي مع المشهد وهكذا مع كل مشهد، أي بمعنى هناك انتقالات مشهدية يرافقها انتقالات أدائية في كل مشهد، وعلى المؤدي أن ينتقل من أداء إلى آخر وحسب دوره في المشهد.
تطالعنا أولاً شخصية شارلي شابلن بمشيته المعهودة، ليكون كما كان رمزاً لذلك الصعلوك والمتشرّد والمتسكع، ليضبط هنا إيقاع العرض والحياة بطبله، ليكون شاهداً حياً على بوح الشخصيات البطولية لاحقاً وما يدور ودار في خلجات شخصياتهم المختلفة. يقابله على الطرف الآخر شخصية الروائي الراحل علاء مشذوب بشخصه ووقاره وهو يتوسّط رواياته التنويرية والاحتجاجية (حمام اليهودي، مدن الهلاك، فوضى الوطن، جريمة في الفيس بوك، آدم سامي – مور، ربما أعود إليك، زقاق الأرامل، خليط متجانس…). 
وهاتان الشخصيتان هما خارج اللعبة الأدائية لكنها في صميم الرؤيا الإخراجية، وهي دالاً واضحاً لتثبيت رؤية تنويرية ببعد جمالي، وهنا يُعادل المخرج بين شخصيتين إنسانيتين عالمية ومحلية، كشاهد حي ونابض بالحياة والفن والحرية والجمال.  
تستعرض المسرحية شخصيات بطولية لها ارتهاناتها وبطولاتها وانكساراتها وانهزامها الداخلي والخارجي، فشخصية كلكامش خامس ملوك اوروك الذي جاب الغابات والصحارى والبلدان، والذي رأى كل شيء، بوصفه ملك ثلثاه إله وثلثه الآخر بشر، ذلك الملك المتجبّر الظالم الذي حمل صفة الالوهية والاكتمال، إنه الحارس والقاتل والمغتصِب لشعبه، ينهزم وينكمش وينطوي ويضمحل بموت صديقة انكيدو، وتنويرته بأن الخلود كامن في الأعمال والعطاء والعمل والعدالة لا في الأعمار والقتل والاغتصاب والقهر، وهي انتقاله معرفية بعد استخدامه العقل وتغلبه على إرادة القوة. وهو اعتراف ضمني بقصور قدرة الإنسان إزاء القدرية الإلهية والطبيعة. 
وتطالعنا شخصية اليكترا وعقدتها وفكرة الانتقام من الأم والتعلّق بالأب، فكرة شغلت تفكير علماء النفس وجابت حقول الدراسة على نحوٍ تفكيكي نفسي. وإن موضوع الانتقام ليس هو الحل الناجع لحل المشكلات والأزمات، لأن العقل هنا مغيّب ومُعطّل، وبذلك تكون القرارات انفعالية متسرعة، وغالباً ما تكون سلبية وخاطئة، وإرادة القدر متصيّرة ونافذة على مصير الشخصية.
وها هو هاملت يئن مرارة وجنون من قتل والده وزواج أمه من عمه القاتل، ليكون ذلك السؤال الكوني “أكون أو لا أكون”، ليجيب عن سؤاله ماكبث وحواره مع الخنجر أداة القتل لحيوز السلطة والعرش، ليكون جواباً شافياً لذلك السؤال، بالانتقام والقتل والجنون والتشرّد، ليتحوّل هاملت من ذلك الشاب المُثقف والعقل المتنوّر في أروقة الجامعات إلى حمل السيف والعقل المُدجّن بالعنف وإراقة الدماء في دهاليز القصور والقلاع الباردة والمظلمة. 
يقدم هنا المخرج د. محمد حسين حبيب مشهدين من نصين في آن واحد “مسرح داخل مسرح” ويفصل مكان المشهدين جدار وهمي مشيد من أجساد الممثلين كضحايا الانتقام والبحث عن السلطة والجاه، وكأنه نافذة تطل كلا الشخصيتين على الآخر، وكأنه الوجه الآخر له ومكملاً في آن، ليتصيّر ماكبث كما هاملت أيضاً إلى التشرّد والضياع والقتل.  
يشاطر أوديب المصير نفسه، حيث التشرّد والضياع والعمى، بعد قتل أبيه والزواج بأمه، ليكوّن ولادة هجينة غير طبيعية وغير شرعية، ذلك بفقدان العقل وتنويره، لتكون إرادة القدر متجذّرة وطافحة على مصير البشر.

تطالعنا بعد حين شخصية الحجاج بخطبته التي يتوعّد بها أهل العراق بالويل والثبور، إن خرجوا عن إمرة الحاكم والسلطة وطاعتها بشكل أعمى، بوصفهم أهل شقاقٍ ونفاق، وإنه قد رأى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، فإرادة القوة ماثلة ومتسيّدة ومتصيّرة على إرادة الذات التي ينبغي عليها أن تطيع وتنساق لإرادة الآخر على حساب إرادتها ونُشدان حريتها بعيداً عن التبعية والقسر.
تتمظهر بعد حين شخصية جيفارا رمزاً وأيقونة للتحرر من العبودية والتبعية والانعتاق للآخر ونُشدان الحرية والخلاص، ليتصيّر علامة فارقة في الثقافة الشعبية.
في حين يبرز كاليجولا رمزاً للعنف والنزقية وتأليه للذات والغرور، شخصية حملت صفة جنون العظمة وحب الامتلاك والنشاز، فهو يريد كل شيء حتى القمر إرضاءً لنفسيته المريضة المدججة بالقتل وحب السلطة والمال. “انا أسرق بصراحة”، “لا أرتاح إلا بين الموتى”، “غريب إن لم أقتل أشعر بإني وحيد”، هذه الشخصية التي تريد أن يخضع لها الكل وإرضاء كل رغباتها ونزواتها، ليكون مصيرها النهائي الجنون والقتل، لغرابتها ولغياب العقل فيها وتجذّر إرادة الرغبات المتوالدة المتحققة وغير المتحققة التي تقمع ذاتها والآخر في آن.
تطالعنا بعد حين شخصية كليوباترا كأحد آخر ملوك الأسرة المقدونية، وصراع الظفر بالعرش بشخصيتها وذكائها ودهائها وجمالها ونزاعها مع أخيها على عرش مصر، لإعادة مجد أبيها، وما يمكن أن يستبيح ذلك من إزهاق الأرواح إرضاءً للآخر.
هكذا يجمع المخرج هذه الشخصيات البطولية ويستنطقها ويحاكمها ويحاكمنا بفلسفة تنويرية (كانط) بالانعتاق من العجز الذاتي والتخلّص من توجيه الآخر وتبعيته، وحال لسانه يقول “أعملوا عقولكم أيها البشر لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم فلا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب تحركوا وانشطوا وانخرطوا بشكل إيجابي”، وهي فلسفة تنويرية أفادت من نقد العقل وإمكانية الوصول إلى التصوّر العقلي، من خلال النضج وعدم التبعية والانقياد الأعمى للآخر، والدعوة إلى التفكير الشخصي الراشد.
وكما خُتِم العرض بمقولتين تنويرييتين الأولى طباعية على الشاشة الرقمية تشير إلى ثقافتنا العربية الحالية قالها المفكر نصر حامد أبوزيد ونصها “ثقافتنا تعبد النصوص، يكفي أن تقول قال فلان ويتوقف العقل”. أما المقولة الثانية فجاءت على لسان شخصية علاء مشذوب نفسه ورددتها باقي الشخصيات هتافا في المشهد الأخير للعرض ونصها: “إن لم تكن صدراً بأول جملة / أو فاعلا للمجد في إسهاب / إياك أن تكون ضميرا غائبا لا محل له من الإعراب”. 
من هنا نجد أن المخرج فارق بين الصورة التمهيدية للعرض من خلال صوره فليميه عن التبعية العمياء والانقياد والإنجرار وفق الأنا الجمعية السلبية بحسب فيديو طقوس نموذج من المعتقدات الدينية وأداءاتها، وبين مقولة أبوزيد التنويرية الأخرى فهو في ذلك يُهشّم هذه الصورة ويأتي بنقيضها، كدعوة للتحرر والانفتاح وتغليب العقل وإرادة الحرية وإشاعتها، بعيداً عن التبعية والانغلاق.
مسرحية “بطولة” عرض تميّز بضبط عالٍ في مستوى الأداء وجماليته، مشفوعاً بضبط تقني سمعي بصري برؤيا فلسفية إخراجية ناهضة، أرادت تحرير عقل الإنسان من التبعية الجمعية، وإن الإنسان حرٌّ بطبيعته، بعيداً عن قسرية الآخر، وإن كان بطلاً يحمل صفة البطولة، وبذلك انتصر العرض وينتصر للإنسان، كقيمة عليا ووجود وهوية وكيان وكينونة مطلقة، بعيداً كل البعد عن الإملاءات والاستلابات من الآخر.  

كلية الفنون – بابل (العراق)

عن Administrator