بسام تحلل الخطاب المؤسساتي في مسرح الأردني غنام غنام #الأردن

 

 المسرح من أنسب الأنواع الأدبية لنقد ثقافة المجتمع
 المسرح وليد نسق ثقافي ذات طبيعة اتصالية بالمؤسسات المختلفة

تطبيقا على الأعمال المسرحية للمخرج والمؤلف المسرحي غنام غنام يحلل هذا الكتاب “الخطاب المؤسساتي في مسرح غنام غنام دراسة ونصوص” للناقدة المسرحية د.أسماء بسام، الكيفية التي يقوم بها الخطاب بتقنين وإنتاج ومقاومة اعتداءات السلطة المؤسساتية وهيمنتها ولا مساواتها، معتمدة على منهج التحليل النقدي للخطاب ونظرية الاتصال: للإجابة عن نمط معين من الأسئلة المتعلقة بالسلطة المؤسساتية، ومعتمدا في ذلك على الخطاب الذي وضعه فوكو والذي يتبلور حول السلطة المؤسساتية وهيمنتها على الذات وهدم الآخر وكل مقدرات الذات. 
وقد جاء اختيار الباحثة لمسرحيات غنام غنام كونها لاحظت أن خطابه المعرفي من أفصح الأمثلة التي تطبق هذا المنهج، حيثُ أوضحت أنه مع كثرة تداخل المصطلحات الأدبية، والتخبط في مفاهيم النقد الأدبي المختلفة وربطها بالمفاهيم الفلسفية؛ أدركنا أننا في حالة اغتراب للذات واهتزاز للهوية، ومن ثمَّ أصبحنا نبحث عن لغة لإثبات تلك الهوية عن طريق إثبات “اللكنة – العرف – الدين – العرق – السياسة”، وتطور الأمر إلى أن أصبح بحثًا عن مواضع هذه الهوية وإبرازها في الجسد البشري بوصفه منتجًا للمعنى الذي بدوره يستبدل أماكن الضعف بالمقاومة مع الذات ضد الآخر عن طريق الجسد الثقافي أو بمعنى أدق جسد العمل الدرامي.
كما أوضحت بسام أن المسرح من أنسب الأنواع الأدبية لنقد ثقافة المجتمع، ووليد نسق ثقافي ذات طبيعة اتصالية بالمؤسسات المختلفة، وقالت “يعتبر المسرح في حد ذاته خطابًا معرفيًا يجسد الخطاب المؤسساتي المنطوق وغير المنطوق من فعل ورد فعل، وينخرط الخطاب المؤسساتي بالحقل السياسي بشكل مباشر، عن طريق نقش الأحداث وطبعها كليًّا بالتاريخ، ويعتبر الخطاب التواصلي أساس الدخول إلى عمق الذات، وقناة تواصلية بين الذات والآخر، تختلف تجلياته طبقًا لاختلاف أيديولوجيا الذات، والنطق بالمسكوت عنه الذي يسكن الذات للكشف عن جدلية الذات في محاولة البحث عن هويتها، وبناءً على ذلك تصبح حركة الجسد ككل هي البؤرة الساخنة التي تتجمع حولها الثقافة الأيديولوجية، والتي جعلت الذات تطالب بهويتها التي انبثقت من خِضمِ قلق الانسجام مع الآخر، وهنا نلمس الذات المنخرطة في موقع التأسيس الديناميكي للنص الإرشادي، وتُختزل حركة المعنى بداخل حركة الجسد، ونجد أنَّ المعنى الإرشادي قد أنصت لهذا الجسد المكبوت الباحث عن هويته بتركيب إيقاعي يتناغم مع حواسه لينتج إيماءات وطقوس حركية تحرره من استغلاله واستثماره المؤسساتي، وتحيله إلي هويته المفقودة”.

غنام اتخذ من الوقائع الاحتلالية أداة يجب إيصالها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى المتلقي عن طريق الأفعال والتغريب للحث على التمرد

وقد وقع اختيارها على عدد من النصوص المسرحية المخطوطة والتي تم عرضها مثل “ليلك ضحى”، الموت في زمن داعش”، و”البحث عن نوفان”، و”السياب يعيش مرتين”، و”صباح ومساء.. عن خمس دمى وامرأة” وغيرها. تحدثت بسام عن المقصود بالخطاب المؤسساتي موضحة العلاقة بين الخطاب والمؤسساتية، وأن إجراءات الاستبعاد والمنع هي إجراءات تحد من سلطة الخطاب ومخاطره، والتحكم في حدوثه المحتمل؛ حيثُ إن الفرد لا يستطيع البوح بكل شيء، من هنا تصبح السلطة والخطاب منتجين للمعرفة التي تعتبر قوة مهيمنة على السلطة المؤسساتية، والنسق الفكري في حد ذاته هو نسق يحمل العديد من الأفكار والمعتقدات والأيديولوجيات المختلفة التي بدورها تعبر عن ذات المؤلف وتعتبر تشريحًا قويًا للعقل والذهن بل والجسد. 
وأضافت بسام أن هذا العقل الذي يعرف الإشكالية ويحاول حلها والوصول إلى نمط متمرد عليها لنقد الفكرة المضادة أو بطبيعة الحال الفكرة المحتلة والمختلة عن طريق ما يلمحه ذهنة من فكرة وفكرة مضادة، وهذا الجسد الذي يتعرض للقهر والقمع وجميع أشكال التعذيب المادية والمعنوية والنفسية يطبع كل هذا البوح من خلال خطابه المعرفي الثقافي على جسد أعماله فيصبح الخطاب تارة منطوقًا وتارة أخرى غير منطوق “إشاري”، وتارة ثالثة لا منطوقًا ولا إشاريًا بل مسكوت عنه محاصر بعدم البوح مستبعد ومستعبد بخطاب مؤسساتي قمعي يحاصر الذات بين براثن الجهل والعنف ومن ثمَّ يكون الصمت. 
اهتمت بسام بدراسة الكيفية التي يقوم بها الخطاب بتقنين وإنتاج ومقاومة اعتداءات السلطة الاجتماعية والمؤسساتية والاقتصادية وهيمنتها ولا مساواتها، معتمدة بذلك على منهج التحليل النقدي للخطاب ونظرية الاتصال؛ للإجابة عن نمط معين من الأسئلة المتعلقة بالسلطة. واعتمدت في ذلك على الخطاب الذي وضعه فوكو، والذي يتبلور حول السلطة المؤسساتية وهيمنتها على الذات، وهدم الآخر كل مقدرات الذات؛ فحيثُ تكون السلطة تتكون المعرفة، وتُنتج اللغة، والعلامات والأفكار مرورًا بالجسد المعرفي الذي ينقش على الورق كما كان يُطبع على الجسد أشكال التعذيب المختلفة التي تتلاحم مع التاريخ لتجسد هذه المعرفة.
وأوضحت بسام بما أن هناك مبدع “مرسل” لديه رسالة يريد إيصالها إلى المتلقي عبر وسيط هي اللغة بكل أشكال الخطابات التي تعبر عنها فلا يمكننا أن نغفل في دراستنا نظرية الاتصال، ودورها في تلقي المعرفة وتحديد نوعية الخطاب المضاد للسلطة، وتحليل هذا الخطاب الذي يشكل حقلاً معرفيًا تشترك فيه اللغة والسيميوطيقا، وعلوم السياسة، والعلوم المعرفية، من هنا يمكننا الاعتراف بأن الخطاب اللامنطوق يشارك الخطاب المنطوق، والآداء الحركي المعرفي يلعب دورًا بارزًا في تحديد خصوصية إنجاز القول المعرفي.
قسمت بسام كتابها الصادر عن الهيئة العربية للمسرح إلى قسمين؛ القسم الأول الخطاب المؤسساتي في مسرح غنام غنام في ضوء نظرية التواصل وتحليل الخطاب الذي انقسم إلى ثلاثة أقسام؛ وهي: استراتيجية خطاب العنوان، الخطاب غير المنطوق “إرشادات”، أيديولوجيا الفكرة والفكرة المضادة. والقسم الثاني مسرحيات الكاتب غنام غنام المخطوطة عينة الدراسة وهي: “ليلك ضحى”، “الموت في زمن داعش”، “المنافي”، “البحث عن نوفان”، “السياب يعيش مرتين”، “صباح ومسا.. عن خمس دمى وامرأة”.

وقد رأت بسام أن المسرحي غنام غنام اهتم بالخطاب المؤسساتي الذي أنتج كلماته وأفعاله من نموذج السجن والمستشفى، والمنزل القيد والمصح النفسي والمدرسة، ومؤسسة الإعلام، والقبر، والمنفى، كما اهتم بخطاب المراقب والمعاقب بداخل هذه المؤسسات، وخطاب المحتل والمختل، متأثرًا بذلك بخطاب فوكو المؤسساتي. وأكدت أن استخدم غنام نظرية الاتصال لإيصال خطابه المعرفي بشكلٍ مباشر أو غير مباشر إلى المتلقي بهدف إقناع المتلقي بضرورة القيام بثورة احتجاجية ضد الأوضاع القائمة من احتلال واختلال وذلك عن طريق تغريب الحدث المسرحي بوسائل تغريبية من شأنها القيام بثورة فتارة يستخدم الخطاب الثوري، وتارة أخرى يصدر الحلم الذي ينبغي أن يكون، وتارة ثالثة يصدر خطاب التهجير والنفي ليعبر بالمتلقي سلسلة تواصلية بينه وبين أحداث الطرد والتهجير للفلسطينيين. 
وقالت بسام استخدم غنام استراتيجية تواصلية لخطاب العنوان جعلت خطابه المعرفي يؤثر على المتلقي، باعتبار العنوان أول اتصال نوعي سيميائي يشير إلى أنظمة دلالية تحمل أيديولوجيا ثقافية ومعرفية، من خلالها تقاوم السلطة المؤسساتية. وكشفت بسام أن الخطاب المؤسساتي انقسم عند غنام إلى نوعين: الأول خطاب مكتوب غير منطوق “إرشاداتي” يجعل المتلقي من خلاله يستنتج مجموعة من المدلولات التي تعبر عن ثقافة وأيديولوجيا الجسد، وكأن الجسد أيقونة أيديولوجية ديناميكية تعبر عن التشريح المعرفي والثقافي لخطاب المقاومة وإثبات الهوية ضد المؤسسات المختلفة. الثاني خطاب منطوق يعبر عن أيديولوجيا الفكرة والفكرة المضادة باعتبار أن الفكرة التي تحاول الذات إيصالها إلى المتلقي تعبر عن الخطاب الثوري الاحتجاجي عن طريق التغريب يقابله خطاب مؤسساتي يتخذه الآخر لقهر خطاب المقاومة عند الذات، وإبعادها قسرًا عن منتوج عملها.
 وتابعت أن غنام اتخذ من الوقائع الاحتلالية أداة يجب إيصالها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى المتلقي عن طريق الأفعال والتغريب للحث على التمرد، والتفكير المستمر، وإقناع المتلقي بضرورة تغيير الوضع القائم. أيضا استخدم غنام مفردات وأفعال تشير إلى الخطاب المؤسساتي والمراقبة والمعاقبة وحفريات المعرفة ملتزمًا بذلك بفلسفة فوكو المؤسساتية التي ظهرت في مؤلفاته مثل “المراقبة والمعاقبة – ولادة السجن”، “حفريات المعرفة”، “تاريخ الجنسانيات “إرادة المعرفة” – “الانشغال بالذات”.

محمد الحمامصي

middle-east-online.com

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح