أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / بابا.. تعا لعندي” ثورة على الصورة النمطية للمرأة / شريف الشافعي
نداء من امرأة ترجو استعادة أبيها

بابا.. تعا لعندي” ثورة على الصورة النمطية للمرأة / شريف الشافعي

عرض “بابا…تعا لعندي” يلاقي تفاعلا ملموسا من جانب الجمهور الكبير الذي ملأ مسرح معهد غوته الألماني بالقاهرة.

بابا…تعا لعندي”، قراءة مسرحية حيّة شهدتها القاهرة مؤخرا للكاتبة الفلسطينية فرح برقاوي، في إطار احتجاج نسوي على الصورة النمطية للمرأة، وانتقاد الحياة المفككة لعائلات فلسطينية تعاني الشتات.

جاءت القراءة المسرحية الحية “بابا.. تعا لعندي” التي تخللتها عناصر صوتية وموسيقية مسجّلة، بمثابة إعلان عن العلاقة المباشرة بين الإبداع وقضايا المرأة الفلسطينية، فهي امرأة تحمل هموم المرأة العربية الاعتيادية في مشهد ذكوري عام، بالإضافة إلى ميراثها الخاص كفلسطينية تكابد التضييق والنزوح ومشاعر الشتات.

لقي العرض تفاعلا ملموسا من جانب الجمهور الكبير الذي ملأ مسرح معهد غوته الألماني بالقاهرة، مساء الاثنين 12 نوفمبر، إلى درجة المشاهدة وقوفا.

واندرج عرض “بابا.. تعا لعندي” في فلك نسوي أرحب أطلقه المركز الثقافي الألماني بالقاهرة بعنوان “تشويش”، ويهدف من خلال نقاشات وعروض فنية وأدائية نسوية إلى دعم المرأة وإعادة تقديمها في المجتمع بصورة تليق بكرامتها وقدراتها، ومعالجة الكثير من المسائل الجنسوية والجندرية (الصفات المتعلقة بالنوع الاجتماعي) بحضور مبدعات وأكاديميات وناشطات وحقوقيات.

قفز العرض فوق الحواجز، تلك التي تقيّد شعبا بأكمله، كما تقف حائلا أمام المرأة الفلسطينية في علاقتها الأسرية وتعاملها مع الزوج والأبناء. هناك حصاران تستدعيهما الأحداث؛ فالشعب يواجه الاحتلال ويقاسي ويلات التهجير والاغتراب، والمرأة تجاهد لرفع أغلال الذكورية والخلاص من الشتات النفسي وتقديم ذاتها كندّ للرجل: الأب والزوج والشريك.

من الوضع جالسة، تتحرك الراوية بتعبيرات جسدية وإشارات وإيماءات وانفعالات وجه محسوبة ومعدة بدقة، ساردة محتويات رسائل تبعث بها لصديقة لها. ومن خلال قراءة البطلة الفلسطينية الشابة لرسائلها، يمتزج الواقع بالخيال، فهي شخصية فنية مصنوعة، والمؤلفة ذاتها “فرح برقاوي” التي تحكي قصة حياتها في مخيم اليرموك والمنافي المتتالية.

الإطار السياسي والمجتمعي العام وتفاصيل القضية الفلسطينية وحياة الشعب القاسية في ظل الاحتلال، هي الغلاف الطقسي الذي يغلف دراما العرض، فيما تتعمّق الرؤية في ترصّد العلاقة بين المرأة والرجل، من خلال استكشاف مراحل وتطورات علاقة الراوية بأبيها، الذي تحكي عنه باستفاضة منذ مولدها إلى ما بعد وفاته، كما يتجلى صوته في التسجيلات الصوتية القديمة.

ينبني العرض على تقنية رسائل الحكي كثيمة أساسية، وتتخللها الكثير من التسجيلات الصوتية، للأب عبدالرحمن، الطبيب الناجح الذي يبدو مثاليّا في حديثه لإحدى الإذاعات حول الطب كمهنة نبيلة والطيور كرمز للحرية والانطلاق، كما تظهر تسجيلات أخرى لأغنيات وطنية، وقصائد محمود درويش، وسيمفونيات موسيقية، وموج البحر الهادر، وغيرها من الأصوات الدالة.

تقدم الرسائل الصوتية، إلى جانب الأخرى المكتوبة، سيرة الراوية منذ نعومة أظافرها، فيستدعي العرض صوتها وهي طفلة صغيرة تخاطب أباها في المخيم من المنفى “بابا.. ماما علمتني كتابة الرسايل، اشتقتلك، باحب قد السما، قد القمر، قد الروح”.

تعترف المرأة التي تجاوزت الثلاثين من عمرها صراحة بعدم فهمها لتناقضات والدها، كما تحكي عن انتقاده الدائم لأفكارها وتصرفاتها، وعدم قدرته على استيعاب أنها كبرت جسدا وعقلا وصارت امرأة مستقلة. لكنها في الوقت ذاته تمتلئ بمشاعر الحب نحوه، وتسترجع اللحظات الحزينة التي صاحبت دخوله المستشفى لإجراء عملية قلب مفتوح، وإحساسها بالضياع بعد رحيله.

يصوّر العرض برهافة من خلال المواقف الحياتية المستدعاة حالات الشد والجذب بين الأب وابنته، وكيف يتم رأب الصدع في مراحل تطور هذه العلاقة، والتذبذب بين الاختيارات المتضاربة، دون أن يتحول الاختلاف أو الخلاف إلى كراهية.

يلعب العرض، الذي تبلغ مدته 20 دقيقة، على التقاط تمددات الروح الإنسانية، تلك التي تتغير بحسب الفصول والمواسم والمناخات المتفاوتة، بمعنى اصطياد مساحات التقارب والتباعد بين الأب وابنته عبر رحلة الحياة، للاشتغال عليها جماليًّا بمؤثرات فنية.

قليلة هي جوانب المسرحة وعناصرها في عرض يقتصر على القراءة والأصوات والموسيقى، لكن الرهان انعقد على حساسية الانتقاء والأداء والقدرات الخاصة للتعبير الجسدي، فالومضات المكثفة قد تكفي لإضاءة المشهد كاملا إذا تم تفجيرها جيّدا وتحميلها بالشحنات والنبضات العالية.

على الرغم من أن الأداء فردي على المسرح، فإن الحسّ الدرامي قائم في العرض، والحالة الحوارية دائمة، من خلال الحضور الصوتي للأب والأم والطفلة التي كانت، ومقدم البرامج الإذاعية، والتسجيلات الكثيرة، التي تعكس جوانب الحياة المختلفة في المجتمع الفلسطيني، وفي مخيمات اللاجئين، وفي المنافي التي تنقلت بينها العائلة.

“بابا.. تعا لعندي”، نداء من امرأة ترجو استعادة أبيها، اتسع صداه ليكون صرخة النساء جميعهن في وجه القيود، وحلمَ شعبٍ بوطنه المنشود.

________________

المصدر / العرب

موقع الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.