أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / النظام العميق الذي يسمى اضطراب الوجوه الثلاثة للدراماتورجيا

النظام العميق الذي يسمى اضطراب الوجوه الثلاثة للدراماتورجيا

 

 

 

هناك ثورة غير مرئية، يبدو أنها غير مؤلمة مع أنها تصهر كل لحظات العمل، وهذا ما يغذي الأسلوب.
والنظام الفني هو طريقة في الرفض. والأسلوب في المسرح والتوجه الذي يفترضه هو التمرين المستمر على الثورة، وفي النهاية إنها الثورة على الذات، وعلى أفكارنا الذاتية، وعلى حلولنا وخططنا، وعلى الضمانة المريحة لذكائنا، ومعرفتنا، ووعينا.
إنها ممارسة التخبط الطوعي الواضح في البحث عن نقاط توجه جديدة.
فبعيدا عن تغذية العمل، تتغذى الثورة على العمل أيضا. وأنا أمارس المسرح لأنني أريد أن أحافظ على حريتي في رفض بعض قواعد وقيم العالم من حولي. ولكن العكس أيضا صحيح: أنا مجبر أو مقبل على رفضها بشجاعة لأنني أمارس المسرح.
العاصفة والدقة:
اختيار ممارسة المسرح هو غالبا إجابة صعبة لموقف صعب. إنها طريقة للعيش بحرية إذا نجحت نتائج عملنا للتأثير في الآخرين وكسبهم في صفنا. إنها طريقة لاكتشاف هويتنا، التي تتضح لنا من خلال العمل الذي هو دقيق وعاصف.
يعتقد البعض أن العاصفة والدقة ينتميان إلى عالمين منفصلين، عالم المشكلات التقنية والاحترافية، وعالم دقة الحرفي ليس لها علاقة بالاضطراب والدافع نحو الحرية، والهدم والثورة والرفض.
استخراج الصعب من الصعب:
استخراج الصعب من الصعب هو التوجه الذي يميز الممارسة الفنية. وعلى هذا تعتمد الحدة والتعقيد والجودة الكثيفة للميكانيكية، مما يثير فينا رد فعل الرفض والانزعاج. ففي العلوم الطبيعية، رغم ذلك، تعمل الموانع العضوية وغير العضوية على التمييز بين المجال الحيوي والمجال المعدني.
هناك فرق مهم بين المناقشات حول الطبيعة وحول الفن: في الحالة الأولى الفرق بين العضوي وغير العضوي هو فرق موضوعي، بينما الثاني له أساس ذاتي ويكتسب مظهرا من الموضوعية فقط عندما يختص الأمر برأي مشترك بين كثيرين. أو، بالتعبير عنه في إطار قد يجذب كل من المتشككين والنسبيين: فالنقاشات حول الطبيعة من المفترض أن تكون موضوعية، بينما النقاشات حول الفن يفترض أن هذه الموضوعية غير موجودة.
الفرق الآخر هو أنه في الوقت الذي يحدد فيه تعقيد العمليات الطبيعية التي تحدد الحياة التي تبدو كنظام مثير للإعجاب، تسيطر على المسارات التي تؤدي إلى حياة العمل الفني الفوضى والصدفة.
تزييف الصدفة:
يبدو أن كثيرا من الحلول التي تؤثر على المتلقي وتساعد في تحديد مغزى الأداء، مقترحة بالمصادفة. ولكن ما نسميه الصدفة هو نظام مركب تعمل فيه عدة قوى في نفس الوقت، إنه نسق من العلاقات التي لا يمكن اكتشافها في لمحة واحدة.
ويمكننا أن نقول إننا يجب أن نصوغ حظنا في العملية الإبداعية كما اعتاد الرومان أن يقولوا إننا نصوغ حظنا الجيد أو السيء. ولكن لا يجب أن ننسى كلمات (باستير): «الصدفة تفشل العقول المستعدة».
الكارثة والكثافة:
كيف يمكننا تعطيل اتجاه العمل، من وجهة نظر فنية؟ إحدى الوسائل ليست التركيز على هدف واحد، لكن أن تصوب على اتجاهين أو ثلاثة أو أربعة اتجاهات مختلفة في نفس الوقت. مثل قارب يريد أن يبحر باتجاه الغرب، بينما تهب الرياح من الجنوب ويحمله التيار باتجاه الشرق. والتوازن بين هذه التوترات هو الطريق الإبداعي. التوتر بين القوى المتشعبة، المضادة لبعضها البعض أو المتماسة، يمكن أن يؤدي إلى الكارثة. ولكن إذا نجحنا في المحافظة على هذه القوى واكتشفنا نوع العلاقة التي توجد بينها – بمعنى آخر، إذا استطعنا أن نتعايش معها، ونجدلها ونعيد ترتيبها – سوف نحقق قدرنا بدلا من الكارثة. فالقدر يربك المتلقين، ويجبرهم على استخراج الصعب من الصعب ويبعدهم عن مسارات التفكير المألوفة التي تشكل الملاذ الآمن لأفكارهم.
أسلوب الاشتباك:
أثناء التدريبات، ينشأ أسلوب الارتباك من إعطاء مساحة لتعدد التيارات، والسرديات، والاتجاهات بدون تعديلها من البداية، في ظل اختياراتنا ونياتنا. ويجب أن نتبع مسارات مختلفة، وأفكارا متباينة، وتداعيات غير مترابطة في نفس الوقت، ونتأكد أن ما يتبعه الممثلون الأفراد لا يتطابق مع ما يتبعه المخرج والممثلون الآخرون.
إنه موقف يولد ارتباطا بالمواد والآفاق والمقترحات ويحفزها. إنه وسيلة المحاولة خارج مسار المتاهة بين الفوضى والكون، مع ضربات مفاجئة، ووقف الشلل، والحلول غير المتوقعة. إنه نمو الوفرة الذي يبدو أنه على مدار الوقت يحجب التفسير والوضوح السردي في سياق العملية.
وبهذه الطريقة، يتم خلق اضطراب واضح، مجال مغناطيسي بقوى مختلفة لكل ممثل فرد وللمخرج، ولكن حيث يمكن أن يجد كل منهم ذرائع، روابط، تبريرات، اهتمامات، تحديات، وأصداء، ترتبط بالفكرة الرئيسية، أو نواة الأسئلة التي تنشئ نقطة الانطلاق.
إن الأمر ينطوي على إنشاء بانوراما فوضوية مع الكثير من الروافد التي معها يكون الجميع حرا في اتباع مسار مختلف. فالحرية تنشئ فعلا بذرة الدراماتورجيا لأن الالتزام باتباع مسار مشترك يحتم اكتشاف العلاقة بين مختلف الدوافع الشخصية، إذا انتقلوا وفقا لخياراتهم. هذا البحث عن علاقة متناسقة هو فعلا بحث عن حبكة قصصية، ودراماتورجيا متماسكة.
الدراماتورجيات الثلاثة:
لا يتعلق العمل على الدراماتورجيا بالنص أو القصة التي نريد أن نحكيها ونجعلها مرئية للمشاهدين.
هناك ثلاثة دراماتوجيات مختلفة، يجب أن تحدث متزامنة ولكن يمكن العمل على كل منها بشكل منفصل:
1 – الدراماتورجيا العضوية أو الديناميكية، التي هي تكوين الإيقاعات والديناميكيات التي تؤثر على المتفرجين على المستوى الحسي والعصبي.
2 – الدراماتورجيا السردية، وهي التي تربط الأحداث والشخصيات وإلمام المشاهدين بمعنى ما يشاهدونه.
3 – وأخيرا، تلك التي أسميها دراماتورجيا الحالات المتغيرة، عندما يتمكن كل ما نعرضه من استحضار شيء مختلف تماما، مثلما يحدث عند تطوير أغنية لتتابع صوتي آخر من خلال التوافقات.
في الأداء، تقوم دراماتورجيا الحالات المتغيرة هذه باستخلاص أو التقاط معالم مهمة، التي غالبا ما تكون تطوعية من جانب الممثلين والمخرج أيضا، وتختلف بالنسبة لكل متفرج. فهي لا تعطي الأداء تماسكه فقط، بل إحساسا بالغموض أيضا.
ودراماتورجيا الحالات المتغيرة هي الأكثر إيهامية. إذ لا توجد قواعد تقنية. علاوة على ذلك، من الصعب أن نشرح ما يكمن وراء المؤثرات المدركة: قفزات من بعد إلى آخر. وبالنسبة للمشاهد، والممثل، والمخرج، فإنها انطلاق من حالة وعي إلى حالة أخرى بنتائج الحسي والعقلي الذاتيين غير المتوقعين. هذا القفز من سياق إلى آخر هو الاضطراب، والتغير في نوعية الطاقة، التي تنتج تأثيرا مزدوجا: التنوير أو الدوامة المفاجئة التي تحطم أمان الفهم وتمارس باعتبارها اضطرابا.
الاضطراب:
يبدو أن الاضطراب هو معادة النظام، إنه في الواقع النظام في الحركة. إنه يولد دوامة تزعج تيار الفعل السردي. وفي غياب دوامات الاستمرار هذه، وغياب مخاطر انهيار السرد في داخل الواضح، وفي التوضيح. إن الأمر مثل تتابع النغمات التي تصنع اللحن، ولكنه اللحن الذي يُغنى بدون ثراء التناغم الذي يعيد الصوت إلى الحياة، ويسمح له أن يغني ويتحرك.
تختص دراماتورجيا الحالات المتغيرة بالأداء باعتباره حدثا بدنيا وحسيا، وكائنا حيا في الحياة. ولا علاقة له بالنص المكتوب، ولادراماتورجيا الكلمات، بالطريقة نفسها التي لا ترتبط بها الخاصية الاهتزازية لصوت الغناء بالنوتة الموسيقية.
كل هذا مستحيل بدون توافر عدة عناصر وبذور مختلفة، وبدون إرادة تشجيع التماس والانتشار في عدة اتجاهات في الوقت نفسه. إذ يخلق اضطراب العناصر والمواد الارتباك، مع أنه يهدف إلى البساطة والتناغم.
التناغم:
«قد يبني الكاتب قصورا في الهواء، ولكنه يجب أن يرتكز على أسس من الجرانيت» يشير تصريح (إبسن) هذا إلى دراماتورجيا الكلمات، ولكنه يؤكد الاستقلال والاعتماد الجدلي، والفوضى والنظام، الثورة من ناحية، وسلطة المبدأ الموحد الذي يميز كل صورة من صور الدراماتوجيا الثلاثة من الناحية الأخرى.
إذ يجب أن تملك أفعال الممثلين تناغما مستقلا في سياقها ومعناها. ويجب أن تبدو قابلة للتصديق على المستوى الحسي، وأن تكون حاضرة على المستوى قبل التعبيري. وأسسها الصلبة هي خاصية المصداقية، وقدرتها على التأثير في انتباه المتلقي، وأن تكون متأصلة في عقل – جسم الممثل. إنها يجب أن تكون مبنية على منطقها الخاص المستقل.
هناك دائما وأبدا ممثلون ذوو فعالية هائلة لم يثبتوا أبدا نموذج أفعالهم على خشبة المسرح، ولم يفكروا أبدا في إطار سجل، والذين لم يفكروا أبدا أن يعملوا بشكل واع على المستوى الذي سموه «المستوى قبل التعبيري»، ويتجنبون كل علامات الدقة المرئية التي يمكن السيطرة عليها من الخارج.
لماذا إذن أصر بقوة على عمل الممثل على المستوى قبل التعبيري؛ وعلى أهمية الدقة في تحديد ومعرفة كيفية تكرار النموذج الدقيق للأفعال؛ وعلى قيمة استقلال الفرد عن قصد المخرج والكاتب، وعلى تناغم السجل الفردي والسجل الفرعي؟
أصر، ليس فقط لأنني لاحظت ما يجعل الممثل فعالا، ولكن أيضا لأن التماسك المستقل للأفعال (بغض النظر عن الأهمية التي يفترضها في سياق الأداء) يمنح هدية ثمينة خاصة على المادة التي يستوعبها الممثل: تصبح قادرة على الانتقال من سياق إلى آخر دون أن تذوب، وقادرة على التحور دون أن تفقد الجذور التي تبقيها على قيد الحياة.
الارتباك والخلط:
خلال مرحلة التدريبات، عندما يتبع الممثلون خيطا شخصيا ومتماسكا في سجلاتهم، فقد تبقى الدراماتورجيا ككل مرتبكة، وفوضوية لفترة طويلة.
فالارتباك، عندما يتم السعي إليه وممارسته باعتباره غاية في ذاته، هو فن الخداع. وهذا لا يعني بالضرورة أنها حالة سلبية، ويجب تجنبها. وعندما يستخدم كوسيلة، فإنه ينشئ أحد مكونات العملية الإبداعية العضوية. إنها اللحظة التي يتم فيها دمج الآفاق المادية والنيات المتنوعة، بمعنى أنها تنصهر معا وتختلط معا، ويصبح كل منها الوجه الآخر للآخر.
وخطوط الطريق الغامضة لا تعني أن الطريق يهدف إلى الغموض. وفرة المواد والاتجاهات وارتباكها هو الطريق الوحيد للوصول إلى العراء والفعل الأساسي. عندما ينتهي العمل تقريبا، يتوقف ويقول الآن يمكنه أن يبدأ بالفعل. ويعبر أولئك الذين من حوله عن سخطهم وعدم فهمهم. وفي نفس الوقت يتخلص من كل شيء فعله حتى اللحظة ويدمره. ويرسم مشاهد وأشكالا أخرى، يشبكها بالسابقة أو يفرضها عليها أو يلغيها. فيتناول لوحة أخرى ويرسم عليها الصورة المستبعدة من الصعوبات التي واجهها أثناء عمله في اللوحة السابقة.
وقد بدأ من انقسام ديناميكي وغير متماثل لمستطيل أبيض بخطوط تشير إلى ستة اتجاهات. وقام ببثه، وملئه، ومسح الأشكال، واستخدم الألوان وأعاد تطبيقها، وابتكر أشكالا جديدة وحول الأخرى. ورسم في استعجال، وتوقف للتأمل، وبدأ مرة ثانية، ولمح حلا، وغير رأيه. وفي اللوحة، أشرقت الشمس على بحر أزرق. ثم رسم هبوط الليل، وأظلمت اللوحة بالتدريج. وفي هذه اللحظة الدقيقة رأى المسار الصحيح: «الآن أستطيع أن أبدأ. لقد علمتني الأخطاء التي ارتكبتها حتى الآن الصورة التي يجب أن أرسمها».
في صيف عام 1955 وافق (بابلو بيكاسو)، بعكس كل التوقعات، أن يقدم فيلما. وقد أقنعه المخرج الفرنسي (جورج كلوزو). وكان يجب أن يعرض الفيلم الرسام أثناء عمله. وبعكس نظامه اليومي، لمدة شهر كامل، كان (بيكاسو) يستيقظ في الصباح الباكر لكي يذهب إلى ستديو التصوير في نيس. إذ وافق أن يخضع لكل طلبات المخرج الفنية. وقد عمل في حضور جماهير من المشاهدين، والفنيين في الصوت والإضاءة، والمصورين، وطاقم الإنتاج، والمخرج – وكل أعضاء فريق الفيلم.
وفيلم «اللغز بيكاسو»، هو فيلم كلاسيكي من نوع أفلام هذه الأيام. وقدم كوثيقة تسمح لنا أن نلاحظ ما يجري في رأس العبقري. وقد كان بلا شك عبقريا. ولكن الفيلم يوضح في النهاية أن بيكاسو الصانع الماهر. فما الفرق؟
إجراء متواضع:
في السبعينات، اكتشف أن (شارلي شابلن) رفض تتابعات أحد أفلامه. إذ كان من المفترض هدمها، ولكن تم المحافظة عليها بالخطأ. وقدم (كيفين راونسلو) و(ديفيد جيل) بعمل برنامج تلفزيوني صار مشهورا بعنوان «شابلن المجهول». إذ قدم لنا (شابلن) وهو يرتجل، ويبحث عن فكرة لفيلمه، وبدأ من لاشيء ويبني مشاهد مركبة ثم تخلص منها حتى انفتح الطريق الصحيح أمامه. وفي نفس الوقت استمرت الكاميرا في تسجيل مئات المترات من الأشرطة السينمائية التي توضح لنا الآن ما يجري في رأس العبقري. الصانع الماهر مرة أخرى.
وإذا شاهدنا فيلم «اللغز بيكاسو» أو «شابلن المجهول» لكي يستنتج شيئا يمكن أن يكون مهما من وجهة النظر الاحترافية، ويجب ألا نسمح لأنفسنا أن ننبهر بإبداعهم المذهل. وتكشف خصائصهم المذهلة الإجراءات المتواضعة التي يقوم عليها عمل الفنان، مهما كان مستوى النتائج.
الإهدار:
لا يوجد عمل إبداعي بدون إهدار. والتناسب بين ما ينتج وذلك المستخدم في النهاية يمكن أن نقول إنه يتطابق مع عدم تناسب البذور المنثورة في الطبيعة لكي تنجح خلية في توليد فرد جديد في عالم الحيوان أو النبات.
لا يوجد عمل إبداعي بدون إهدار ولا يوجد إهدار بدون جودة عالية لذلك المهدر.
لقد اعتاد (كيبلنج Kipling) أن يقول إنه لا يمكنك أن تتعلم الكتابة إذا لم تتعلم أن ترفض، ولكي تقطع نصا بطريقة مفيدة، فيجب أن تكون الأجزاء المرفوضة متساوية في الجودة مع تلك التي تبقى. بمعنى آخر، لا فائدة من كتابة شيء بفكرة أن ما تكتبه سوف يتم نبذه.
استخراج الصعب من الصعب يتعلق بابتكار التعقيد. وهذا ليس هدفا في ذاته بل يهدف إلى توجيهنا نحو مزيد من الاختيارات وتوضيح المسارات التي لم نعرف أنها موجودة.
وهذه طريقة تفكير متناقضة وفقا لمعايير الاقتصاد والتراكم. ومن الإحساس السليم بالمعايير هي معايير الصنعة الفنية.
وفي المسرح يحضر هذا التناقض على مستويين من التنظيم: على مستوى الممثل وعلى مستوى السرد الدرامي.
استبعاد الخطأ من الاضطراب:
عند نقطة معينة من فيلم (كلوزو) يبدو (بيكاسو) مضطربا. إذ لم يكن متأكدا أنه يقدر على السيطرة على الصعوبات التي خلقها لنفسه. وتحول الارتباك في عينيه ببطء إلى شبكة أخطاء عنكبوتية. وعند هذه النقطة استرد أنفاسه: يمكنه أن يبدأ أخيرا.
تظهر الحقيقة في أغلب الأحوال من الخطأ وليس الارتباك، كما قال (فرانسيس بيكون) (فيلسوف القرن السابع عشر، وليس الرسام الأمريكي المعاصر). واستخراج الخطأ من الارتباك، ثم استخراج حقيقتنا من الخطأ، يمكن يكون طريقة فلسفية نوعا ما من مقولة استخراج الصعب من الصعب.
والقدرة على بناء الارتباك حاسمة في عملية المسرح الإبداعية. ومن وجهة نظر الدراماتورجيا، فإن هذا يعني عدم الرضا بما نعرفه فعلا عن الأداء الذي نعمل عليه، القصة أو عدم وجود قصة، أو المعنى الذي منحه المؤلف للنص أو أننا نريد أن نعبر عنه ونجعله مرئيا. إنه يعني كل شيء للهروب من الغواية. فعندما نعمل على نص، من المهم أن نعرف كيف نبعد أنفسنا عنه. ولكن هدف هذا الابتعاد، والانحراف عن المسار، أو الرحلة الطويلة، ليس استخدام النص كذريعة. ينبغي أن يكون طريقا يحملنا في اتجاهات غير متخيلة لكي يكتشف كل شيء أثناء استكشاف الحدود والأفكار التي تحملنا بعيدا أو تعارض نقاط انطلاقنا، وقد يبني شبكة من الصعوبات عندما نعود لمواجهة دراماتورجيا الكاتب، ونواجه أنفسنا بأسئلة جديدة ومنظورات غير متوقعة.
قاعدة السلوك تجاه النص هذه أو الفكرة الأصلية، وتجاه المعنى التي تفترضها لنا هذه الأشياء مبدئيا، تتطابق مع قاعدة توجه حركات جسمنا: الدافع للحركة في اتجاه واحد يسبقه دافع في الاتجاه المضاد. قانون الحركة هذا في الكائن الحي يتم تضخيمها بواسطة الممثل في المستوى قبل التعبيري والمنقولة إلى أحد تلك المؤثرات، وقفزات الطاقة أو الدوامات الصغرى التي توجه انتباه المشاهد حسيا وحركيا.
أخطاء كعوائق وأخطاء كأبواب:
إذا كان صحيحا أنه من الضروري استخراج الخطأ من الارتباك، عندئذ يجب علينا أن نسأل أنفسنا، من وجهة نظر فنية، ما هو الخطأ؟
هناك أخطاء عقيمة يجب أن يتعلمها كل صانع للمسرح لكي يميزها ويصححها. وهي الأخطاء التي تعوق العملية، مثل الحوائط العمياء. ومن الناحية الأخرى، هناك أنواع أخرى من الأخطاء، مثل الأبواب، وهي بدايات، مؤقتة مع أنها ثرية.
وإذا استطعنا أن نعمل على مستوى مختلف من تنظيم الأداء، عندئذ يكون لكل منها حياة ووظيفة في ذاتها. وعند تجميعها، رغم ذلك، لا تحقق تناغما بل ارتباك. فكل تنظيم يحدد نفسه لاتباع مساره، وله ميل محدد تجاه المركز، وغيور على استقلاله. إن ذلك الذي يملك تناغمه المؤثر عند مستوى تنظيم معين – إيقاع دينامي – يفقده عند مستوى آخر، وهو مستوى السرد الدراماتورجي. وبالعكس: بعض الأفعال، مشهد أو مقطع، ضروري للقصة التي نقدمها، يصبح عقبة وله عكس نتائج وتيرة الأداء. إذ يتم بناء الأداء وفقا لمنطق مختلف. والشيء الصحيح من وجهة نظر المنطق يصبح خطأ عند تأمله من وجهة نظر أخرى.
هناك أخطاء توجهنا، تجبرنا على استخراج تركيب جديد من تلك التي أنشأت مراحل العمل السابقة. وبمحاولة الاستجابة إلى هذه الصعوبات الجديدة، ولكي نكسر تلك الأبواب، فربما نجرب قفزات الإدراك في أنفسنا أو في المشاهدين: دراماتورجيا الحالات المتغيرة.
عند هذه النقطة تحدث ظاهرة يبدو من المستغرب أن نتحدث عنها، ولكنها علامة بأن العمل في مساره الصحيح. وهي كأن العمل لا ينتمي إلينا بل بدأ يتحدث بصوته ولغته المستقلين، اللذين يجب أن نفسرهما.
يحدث شيء مماثل مع عمل الممثلين المستقلين عندما تتشابك سجلاتهم البدنية مع سجلات زملائهم الممثلين، مع كلمات النص، ومع متطلبات الدراماتورجيا.
من السهل أن نقرأ العاصفة والدقة والانحراف عن الاتجاه والارتباك، والاضطراب والصدفة غير المتوقعة مثل صيغ لاستخراج الصعب من الصعب. وفي نفس الوقت، من السهل أن نتخيل كيف تتم ممارسة هذه العملية باعتبارها شكا وقلقا وأحيانا ألما، في واقع موقف العمل.
فخلال التدريبات، عندما يتم التعامل مع ما بدا أنه نتيجة صعبة بالفعل كنقطة انطلاق، يفقد بعض الممثلين الشجاعة. إنها دائما لحظة حرجة للمجموعة. في بعض الأحيان يسود الغضب ضد الجميع فيدمر. ومع ذلك فإن هذه هي الصنعة. فالعمل ليس فقط مضنيا بل إنه مؤلم أحيانا.
لا فائدة من السادية والمازوخية في العملية الفنية، وإذا ظهرا في شبكة العلاقات التي تكون المجموعة، فإن النتائج تكون دمارا فوريا مريرا.
قطرة الماء:
لماذا إذن أعمل بالطريقة التي يمكن أن تسبب لي الألم، وتسبب لي عدم الارتياح أو الجرح لي ولرفاقي؟
لكي نبدع عملا يحيا ويستمر وحده، عملا ينتمي لي، أرى فيه ذاتي، مع أنه لا يتطلب استمرار وجودي في الحواس، والذاكرة، وفي أفعال الآخرين.
ولكي نقدم للمتفرجين شيئا يتذكرونه حتى بعد أن ينسوه، لأنني أشتاق إلى الفعل المجرد الضروري: أحتاج قطرة الماء التي تجعل الجرة تجري فوقها.

 

ترجمة أحمد عبد الفتاح

https://www.gocp.gov.eg/masr7na

عن Administrator