أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / “النافذة” عرض مسرحي أردني يجبرنا على تذكر الألم ومواجهة الحياة – امنية طلعت

“النافذة” عرض مسرحي أردني يجبرنا على تذكر الألم ومواجهة الحياة – امنية طلعت

“النافذة” عرض مسرحي أردني يجبرنا على تذكر الألم ومواجهة الحياة

في أوقات كثيرة يكون فقدان الذاكرة حلاً أمثل للمضي قدماً في حياة تخيرك بين الموت الفيزيقي وبين الموت حياً، ربما يكون هذا هو المفهوم الأساسي الذي دارت حوله المسرحية الأردنية “النافذة”، التي ألفها الكاتب العراقي مجد حميد وأخرجتها للمسرح المخرجة الأردنية مجد القصص وشهدت وقائعها خشبة مسرح الجمهورية في القاهرة ضمن عروض المهرجان العربي للمسرح.

نص مأساوي يضع المشاهد في مواجهة مع داخله، خاصة لو كان هذا المشاهد ينتمي لمناطق وبؤر الصراع التي تشهد حروباً عبثية منذ عقود طويلة في منطقتنا العربية، مثل فلسطين والعراق وسوريا وليبيا، حيث يعيش الإنسان جدلية الموت والحياة طوال الوقت، تتصارع داخله الرغبة في عيش مفردات بسيطة بينما يفرض عليه الواقع مآسي تنهش روحه كل يوم، ويجد نفسه مجبوراً على التعود.

يضع المؤلف بطله في مواجهة مع عقله الباطن الذي يجسده في شكل سجان يحتجزه في غرفة تحقيق، يستخدم فيها كل أدوات التعذيب السلطوية حتى يجبره على التذكر، بينما البطل يصر على النسيان. جدل حاد بين الذاكرة المفتقده والهروب منها نشاهده أمامنا، حيث البطل يدخل تدريجياً في مناطق ذاكرة مختلفة مع أمه وأبيه وحبيبته وأخيه الذي ذهب للحرب بدافع وطني لكنه لم يعد بينما تصر الأم على انتظار عودته، ومدينة كاملة تتحول إلى الخراب.

وسط كل هذا الصراع الذي يشظي الذاكرة ويحرضها على الغياب، نجد العرض يحرضنا على التذكر والمواجهة من خلال الحوار الذي يقوله البطل في النهاية:”ما يجعلنا بين خيارين أحلاهما مرٌ، إما أن تختار نافذتك، والانتحار فتسقط مخضبا بدمائك، وإما تموت من شدة خوفك.. عليك أن تكتشف شباكك بخيالك، انزع الخوف عنك، لا تتركهم يرقبونك أينما ذهبت، أو أينما حللت.. تخلص من خوفك المزروع منذ طفولتك في ذاتك.. أخرج من رأسك ذلك العالم الجبان وتحرر، إنهم يراقبونك في كل مكان يريدون تحطيمك، يقتلون كل شيء فقط، لأنه وقف في طريقهم، أو لأنهم يريدون ذلك، لا يتركونك تنهض، لكن عليك أن تنهض ولا تستسلم، وافتح النافذة ولا تحبس نفسك من شدة الخوف من صوت المطر أو البرق أو الرعد، صنعوا الحروب فاصنع أنت الأمل ولا تسكت”، فالنافذة في هذا العرض رمز لطريقين لا ثالث لهما، إما الموت كما فعلت حبيبة البطل التي تختار نهايتها بنفسها كبديل لحياة بائسة لا مفر منها، أو الخروج إلى هذا العالم القاهر ومواجهته والإصرار على فرض الحياة على واقع مميت نعيش أسفل سنابكه.

والعرض كما فهمته لا يحرض على مواجهة عبثية الحروب التي تُفرض علينا من قبل قوىً عليا لا نملك مواجهتها أو حتى نقاشها في بواعثها وأهدافها فقط، ولكنه يحرض أيضاً على عبثية شكل حياتنا نحن الذي اعتدنا عليه، أو أجبرنا على قبوله من خلال عادات وتقاليد ومفاهيم موروثة لا تملك تبريرات كافية لتجعلنا ننخرط فيها، ونشاهد ذلك في مواجهة البطل لطفولته ولأمه ولأبيه حيث الانجرار دون مواجهة لفرضيات مفاهيم الوطن والمواطنة التي رسمها من جاءوا قبلنا دون أن يعتبروا للمتطلبات الإنسانية البسيطة لهؤلاء البشر أو المواطنين.

قدمت مجد القصص رؤية ديناميكة للعرض، حيث استعانت بمواد فيلمية تم عرضها على شاشة بروجيكتور احتلت عرض خشبة المسرح بالكامل في الأسفل، لنشاهد صراعات البطل الداخلية مع المدينة من خلال هذه الشاشة، كما أنها باعتبارها مصممة الديكور أيضاً، قدمت ديكوراً بسيطاً ولكنه معبر بفاعلية عن أحداث المسرحية، كما تمتع الديكور كذلك بمرونة شديدة في التحول من شكل لآخر ليؤدي دوراً مختلفاً مع مشاهد ذات أحداث جديدة، مثلما استخدمت البابين المتحركين كطاولة غرفة عمليات للولادة، ثم القيام بوظيفة الباب الذي يدخل ويخرج منه الأب والأم، ثم القيام بدور شاشة عرض لمواد فيلمية تعبر عن أحداث لا تدور على خشبة المسرح. كذلك استخدامها لمكتب التحقيق كطبول يدق عليها البطل وعقله الباطن بأكفهم كتعبير عن نبض الذاكرة الغائب والذي يحاول العقل الباطن إعادته للبطل بالقوة.

الحوار في المسرحية يتأرجح بين اللغة العربية الفصحى والدارجة الأردنية، حيث تُستخدم الفصحى أثناء التحقيق، ربما لتتناسب وغلظة وسلطوية التحقيق، بينما اُستخدمت العامية في حوار البطل مع أمه وأبيه وأخيه وحبيبته وفي التعبير عن انفعالاته الداخلية، ربما لتناسب العامية كلغة تعبير حميمة وقريبة لدواخل الإنسان، إضافة إلى أن الفصحة لغة رسمية أكثر ولا تستخدم في اليومي المحكي بين الناس، وبالتالي تقرب مشاعر البطل من أرض الواقع وتجسده للمشاهدين.

استطاع عرض النافذة أن ينفذ إلى ضمير المشاهدين مثيراً الكثير من التساؤلات والألم رغم أنه انتهى نهاية إيجابية تحرض على الإبقاء على الذاكرة ومن ثم الحياة والمواجهة، لكنه بالتأكيد فتح باباً على أشباح واقعنا العربي المؤلم والذي جرف أجزاءً كبيره من أرضه في طاحونة الدمار، وما زلنا لا نعرف متى تعود.

 

 

https://omneyatalaat.blogspot.com

عن Administrator