أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات /   الكمبيوتر  وسينوغرافيا العرض المسرحي بقلم: د.عماد هادي الخفاجي

  الكمبيوتر  وسينوغرافيا العرض المسرحي بقلم: د.عماد هادي الخفاجي

  الكمبيوتر  وسينوغرافيا العرض المسرحي

بقلم: د.عماد هادي الخفاجي

تطورت رؤية الإنسان لعالمه من طبيعية تدرك العالم وتفسره بصورة مادية محسوسة ترى الأشياء منفصلة ومستقلة عن الوعي الإنساني إلى رؤية لا تمثل الواقع إلا بالتعبير الصوري الرمزي العلائقي أي بلغة مفهومة صورية يستحيل إدراكها والتعبير عنها بلغة طبيعية وبذلك تم اختزال المنطق إلى نوع من الرياضيات يتعامل مع ثنائية (الصفر- الواحد) للرمز إلى صحة أو خطأ المقولات المنطقية التي أمكن صياغتها بصورة رياضية بحتة, لتطبيق المنطق الرياضي في تصميم الدوائر الإلكترونية, ليحقق الجمع بين الجانب المادي (Hardware) والجانب اللامادي- الذهني (Software). (1) وهذا يعني بأنَّ الكمبيوتر يملك لغة خاصة به, هي اللغة الثنائية وهي لغة الصفر والواحد وبمعنى آخر إذا أردنا أن نبرمج الكمبيوتر على موضوع ما فأنه يجب أنْ تكون هذه البرامج مكونه من الصفر والواحد ليتمكن من تخزينها داخل الذاكرة ثم قراءتها وتنفيذها بعد المعالجة أي أنَّ المعلومات الرقمية داخل الكمبيوتر مكونه من ملايين الرقاقات ذات المفاتيح الصغيرة جداً المتضمنة شيئين فقط بالإمكان تشغيلها أو إطفاءها وعندما يتم تشغيلها تمثل الرقم(1),  وعندما يتم إطفاءها تمثل الرقم (صفر). وبهذا فأنَّ الكمبيوتر يستطيع معالجة رقمين فقط الواحد والصفر, وهكذا بإستطاعتهِ نقل كل الأرقام إلى ثنائيات رقمية وأيضاً تسمى القاعدة ذات الرقمين. (2) وهذا يعني بان الواحد في اللغة الثنائية من الكمبيوتر تعني الشروع في الضوء والصفر الشروع في الإطفاء أو الظلام وهذا ما يدفع مصممي الإضاءة المسرحية للإفادة من الكمبيوتر وبرمجياته إلى تشكيل الإضاءة المسرحية عن طريق الإظهار والإخفاء وبالتناوب وحسب اللغة الثنائية للكمبيوتر وهذا ما دفع التقنيين للإفادة من الكمبيوتر للسيطرة على خشبة المسرح رقمياً من أجل إبداع أساليب عمل ومؤثرات جديدة تسهم بتطوير المسرح وتنسجم مع النظام الثنائي للكمبيوتر, لذلك فقد مثل ظهور الكمبيوتر أهم حدث منفرد في تأريخ تكنولوجيا المعلومات نظراً لأهميته وقدرته على القيام بمهام عديدة وبمختلف المجالات, والفن أحدْ هذه المجالات أما المسرح فهو أحدْ هذه الفنون التي دخلت التكنولوجيا به وشكلت تأثير كبير على التقنيات التي تخص المسرح فأعطىت قوة إضافية إلى المخرجين والتقنيين باعتبار الكمبيوتر آلة ذكية تمتلك القدرة على المشاركة الحقيقية في المسرح على مستوى الإنتاج والبناء للعرض المسرحي.

وبهذا يرى الباحث بأنَّ القسم الذهني يكون موقعه في قمة منظومة تكنولوجيا المعلومات لطبيعة إدارة الفكر(العقل) للمادة عبر وسائط المعالجة وهذا ما جعل تكنولوجيا المعلومات مؤهلة وبقوة للإندماج مع المنظومات المجتمعية الأخرى للخروج بوسيلة اتصال تفاعلية (الكمبيوتر) تسمح للإتصال والتواصل بتلك الأساليب المتبعة على أرض الواقع لإنشاء مجتمع أوجدته تكنولوجيا المحاكاة الرقمية التي جمعت بين العلم والفن والتكنولوجيا بإستعمال خِداع الحواس من أجل إقامة عوالم وهمية من صنع الرموز الثنائية, وعلى هذا الأساس فأنَّ بنية الكمبيوتر التقنية وسعت الإمكانيات المتاحة للمسرح التقليدي بإضافة قوة أضافية إلى المخرج ومصمم الإضاءة وكُتاب الدراما والكيفية التي تؤثر على المتلقي, مما دفع المعنيين بالفن المسرحي إلى إستعمال الأداء الذكي من خلال الكمبيوتر لجعل المؤثرات شيئاً سهلاً وممكنا كما الحال بالإضاءة لهذا فان دخول الكمبيوتر إلى الوسط الفني يُعد وسيلة إبداع جديدة تمتاز بالقدرة على الفهم والإستنتاج وتطبيق المعرفة, إذاً فروابط التقنية بالفن ليست جديدة, كذلك فهي مثمرة في أغلب الأحوال وإنَّ الكثير من الفنانين أفادوا من المخترعات والمكتشفات التي قامت بها التقنية والتي رأوا فيها فرصتهم لإثراء المشغل الفني كما إنَّهم عاملوها كشيء أكبر من كونها أدوات(3)  لذلك يمكن القول وتحت ظل التكنولوجيا بأنَّ فن المسرح يعتبر من الفنون التي تأثرت بشكل خاص بالتطورات التقنية الحديثة ولاسيما على المستوى التقني مما ساعد المخرج والمصمم على إمتلاك القدرة بالتنوع بمجال العمل وإضافة حلول متعددة لأي مشكلة تقنية ومما لا شك فيه إن هذا التطور أدى بشكل مباشر إلى خلق آفاق جديدة أمام المخرجين والمؤلفين لإكتشاف سبل وأدوات وإمكانيات جديدة في التجسيد الإبداعي والخلق الفني من أجل “تطوير العرض المسرحي سمعياً بصرياً, لذا فأنَّ التكنولوجيا تعني الإستعمال الأمثل للمعرفة العلمية وتطبيقاتها وتطويعها لخدمة الإنسان ورفاهيته” (4) لذلك فعملية المزاوجة بين العلم والفن أعطت دعماً إضافياً للعملية الفنية لغرض تحقيق الإبداع والابتكار عبر المعالجة  بالتقنيات الاليكترونية في تطوير الصورة المشهدية للعرض المسرحي وعبر وسائط تقنية متعددة يخطط ويصمم أفكارها إختصاصيون في الموسيقى والإضاءة والصوت والخدع البصرية والملابس والعمارة والتشكيل, ويسبقهم في كل ذلك مخرج العرض المسرحي” (5) وهذا ما زاد من القدرة الإبداعية للمخرج والمصمم في إنجاز خطاباتهم بمستويات متعددة تمنح المادة موضع المعالجة قدرات تأثيرية فائقة تزيح منطق الخطاب من التواصلية الابلاغية بمستواها الحسي، إلى التفاعلية الذهنية بمستواها العقلي وعبر ديالكتيك التصور والافتراض التجريبي لقيم الخطاب موضع الاشتغال الدرامي. حيث أصبح في متناولهما وسائط متعددة من أساليب وتقنيات مستحدثة تناسب التحول السريع للعصر بما يوازي تسارع وتعقيدات الميل والتفضيل الجمالي للمتلقي المسرحي في التشكيل البصري الجديد وصناعة الصورة المشهدية، بإنعطافاتهِ على المادة موضع التجربة الجمالية. فعبر المعالجة بالكمبيوتر والبرمجيات أكتسب المخرج والمصمم تأكيداً إضافياً في مهارتهما العملية وفي الدقة وفي سرعة اتخاذ القرار مع توفر الكثير من الإمكانيات الهائلة للحصول بالنهاية على الصورة المسرحية وبالتقنية الحديثة. إذ تمثل التقنية الرقمية ودخولها للمسرح بشكل عام والإضاءة بشكل خاص حقلاً معرفياً ومفاهيمياً يمتاز بالحيوية والتجدد وتسهم في بنائه وتطوره بمستجدات من أبحاث وبرمجيات تعد الركائز المهمة للبناء الفكري الجمالي للمسرح المعاصر إذاً” كان لا بد من دخول التقنيات إلى عالم الفن والأدب والتغيير في قلب العملية الفنية بمختلف أجناسها وأصنافها وكان هذا من الأسباب التي دعت المسرح إلى أن يكون احد أهم الفنون التي تتأثر بالتكنولوجيا الحديثة والحاسبة الالكترونية خصوصاً في الأساليب التي من شانها أن تطور صورة العرض المسرحي سمعياً وبصرياً لأنَّ التكنولوجيا تعني الاستعمال الأمثل للمعرفة العلمية وتطبيقاتها وتطويعها لخدمة الإنسان” (6) لانَّ الصورة والمنتج الصوري بمفرداته البصرية يمثل بنية الخطاب المسرحي لما لها من إسهام كبير في توسيع مخيلة التقني والمخرج في إعادة الابتكار والخلق لبيئة العرض هذا من جانب ومن جانب آخر باعتبارها كيان رمزي يمثل مرجعية ذاكرة المتلقي إذاً ” إننا نعيش بالفعل في عصر الصورة , مما يعني إننا لا يمكن أن نتصور الحياة المعاصرة من دون صور. وعليه فأنَّ المكونات الجمالية والفكرية لمعنى الصورة المرئية تجعلها على قدر من الأهمية لا يمكن إخفائها, فالصورة قادرة على منحنا تأثيراً ناجحاً يكاد يكون أكبر من تأثير الكلمة” (7) وهذا يعني بأنَّ للصورة لغة تحفز ذاكرة الإنسان لما تمتلكه من خصوصية مهمة في إنتاج المعنى وإعطاء البعد السيميولوجي والدلالي لخطاب العرض المسرحي. مما جعل فن المسرح في مقدمة الفنون التي تأثرت بالتطورات التكنولوجية التي طالت جميع الأجناس الأخرى والتي كان لها نصيب من هذا التطور وفق أساليب تقنية متعددة” (8) لذلك أرتبطَ تطور مفهوم التقنية الرقمية بالفن المسرحي مع تطور وتقدم التقنية الرقمية وتوظيفها في إعطاء فرصة اكبر للسينوغرافي عن طريق إكتشاف مفرداتها والسيطرة عليها من اجل خلق عالم جديد من الأشكال المسرحية إذ يمثل التفاعل بينهما حافزاً مهماً لمصممي الإضاءة المسرحية نحو تقديم صيغ جديدة للتفاعل مع التقنية الرقمية وما تطرحه من محددات تؤثر في عملية تصميم الإضاءة ومن ثمَّ كان ذلك تمهيداً لفتح مجالات الإبداع المعاصرة عن طريق إستعمال آلية الإنتاج التقنية للمخرج والتقني وبذلك فأنَّ  التقنيات هذه المرة لن تكون فعلاً مساعداً ليس لها دور بشكل مباشر مثلما في المراحل المنصرمة بل ستؤرخ لمشروع تقني يتأصل في لعبة إنتاج العرض المسرحي” (9) وذلك لما تتمتع به من سرعة ودقة بالتنفيذ وسرعة بإتخاذ القرار مع توفير الكثير من الإمكانيات الهائلة للسينوغرافي في تجنب مشاكل مرحلة التنفيذ مع إكتساب التصميم السينوغرافي ميزات السهولة, إذ وفرت التقنية الرقمية الكثير من الجهد والطاقة والكلف التي كانت تهدر في ورشة العمل وذلك بإختزال الكثير من مراحل التصميم في لوحة مفاتيح وشاشة عرض ببرنامج تصميمي يختصر ويوفر كل ذلك لصالح العرض المسرحي وبذلك فأنَّ التقنية الرقمية المتمثلة بالكمبيوتر وبرمجياته تتخذ في العملية التصميمية دورا مهما يربط بين الفن والعلم والتقنية مضافا إلى لغة من التحاور ما بين المخرج والمصمم وفي أغلب الأحوال تستغل تلك الخاصيات في جهاز الكمبيوتر والتي لا تمتلكها الأدوات التي عرفها الإنسان, فالسرعة والدقة, الصفات التي تمتلكها ماكينة الإنتاج المتسلسل النمطي وبأدق التفاصيل, وقابلية تجميع عدد ضخم من المعطيات وتسجيلها في ذاكرة الماكينة كذلك السرعة في استرجاعها من الذاكرة والقدرة على التصرف الحر بها” (10) أيّ إنَّ الكمبيوتر أسهم بتطوير الصورة السينوغرافية عن طريق التعدد بالخيارات والقدرة على عرض مجمل الأفكار مضافاً وكما قلنا آنفاً السرعة بالتصميم والتنفيذ   يساعد كُلاً من المخرج والمصمم للكشف عن مكونات التصميم من خلال عرضه على شاشة الكمبيوتر للمساعدة على كشف العلاقة بين المساحات والضوء مع تحديد واختيار المساقط الضوئية لمساعدة الممثل في حركته مع حساب الزمن في تحديد نوع الحركة على خشبة المسرح  لتلافي الإعاقة بين الممثل وقطع الديكور التي يتعامل معها مع تحديد مكان الحركة بالأرقام أو الرموز على الكمبيوتر وخشبة المسرح  ومن ثمَّ سوف يكون كل من المخرج والسينوغرافي على معرفة تامة بجميع عناصر العرض المسرحي بدءاً من عملية التصميم وحتى مراحل التنفيذ والإخراج والتي تتميز بكونها سهلة التعامل في ما يتعلق بالتغيير والمعالجة من دون أن يترتب على ذلك أي جهد ووقت إضافي أو احتياج فنيين لإتمام العمل التصميمي أو خسائر مادية مما يتيح إمكانيات وخيارات كثيرة أمام المخرج والمصمم وهو ما يعود على برنامج العرض المسرحي ككل بالمنفعة التطويرية وفتح آفاق أوسع لتحسينه ومضافاً إلى ذلك توفر هذه التقنية القدرة على حفظ التصاميم في أي مرحلة أثناء التنفيذ والقدرة على إسترجاعها في أي وقت مما يمنح مرونة أكثر للعمل التصميمي وللمخرج في توليه سلطة الإدارة المسرحية للعرض ومن ثمَّ ينشأ عنصر مهم داخل العرض هو عنصر النظام وذلك كون إجراءات العمل ستكون محسوبة من البداية إلى النهاية وبالتالي سيكون عمل المخرج أو السينوغرافي مثل الإنسان المُبَرمج او الكمبيوتر الذي يزود الممثلين وكل العاملين بالعرض المسرحي بقواعد تفصيلية بالإرشادات العامة والخاصة من اجل تطوير مجموعة من السلوكيات تصب بصالح العرض والانتاج المسرحي” (11).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر

 

([1]) ينظر: علي, نبيل: العقل العربي ومجتمع المعرفة,ج1, الكويت: سلسلة عالم المعرفة,   2009, ص124.

(2) See: Campbell, Drew, Digital Technical Theatre simplified, previous source, pXIV

 

(3) ينظر: ماريك, هولينسكي: الفن والكمبيوتر ,ترجمة :عدنان المبارك, بغداد : وزارة الثقافة والإعلام, 1990, ص18.

 

(4)ينظر: كريستو, فربو: المسرح والعرض والتكنولوجيا,ترجمة:د.هبة عجينة,القاهرة,مطابع المجلس الأعلى للآثار, 2009, ص303.

(5) ينظر: رواس,عبد الفتاح: التقنيات في عمارة العرض المسرحي, مصدر سابق, جريدة الأسبوع الأدبي,العدد970.

 

(6) ينظر: اللقائي, احمد حسين وعلي احمد الجمل: معجم المصطلحات التربوية المعرفية في مناهج طرق التدريس,ط1,القاهرة:عالم الكتاب,1999,ص1-3.

(7) ينظر: نجم,السيد, محور الأدب في عصر الصورة الالكترونية/الصورة وواقع الأدب الافتراضي,موقع اتحاد كتاب الانترنت العرب,تاريخ الولوج,20/10/2015.

(8) ينظر: عبد الحسين, رحمن  فاضل , تكنولوجيا العرض المسرحي قراءة في المخيلة الإخراجية,أطروحة دكتوراه غير منشورة, إشراف:أ.د.صلاح القصب,جامعة بغداد, كلية الفنون الجميلة 2009,ص14.

 

 

(9) ينظر: صبري, جبار حسين, ستراتيجية الممثل الرقمي,مقالة منشورة في جريدة التآخي,8/12/2011.

(10) ينظر:  الطائي, محمد مهذول محمد شاهين :الواقعية في رسم الشرق العربي المعاصر الأنظمة والاتجاهات,رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة إلى جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة,2004,ص73.

 

 

(11) ينظر:بيتزو,انطونيو: المسرح والعالم الرقمي الممثلون والمشهد والجمهور, مصدر سابق,ص230.

 

عن Administrator

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.