أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / الفساد الفني والثقافي… بين جلد الذات و نقد الذات – د.عمر نقرش

الفساد الفني والثقافي… بين جلد الذات و نقد الذات – د.عمر نقرش

تنطلق هذه القراءة النقدية التشخيصية استنادا الى بعض مقتضيات الصناعة الثقافية والفنية المستقبلية .بوصف الانسان راس المال في الإنتاج الثقافي و الفني بعيدا عن مفهوم الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي ، ومنها:
– المقتضى الفكري: والذي يتمثل في تحليل علمي للواقع المعاش و إدراكه كما هو فعلا، وليس كما نتوهمه.
– المقتضى النفسي: و يتمثل في تعزيز الثقة بالنفس والاستفادة منها في ثقافة التغيير؛ من خلال إدراك نقاط الضعف وكيفية تجاوزها.

وعليه فانه ليس هناك من حركة فنية، يهرب صناعها من الاعتراف بأخطائهم كما هو حالنا! وليس هناك من ثقافة ابتكرت لها سبلا لتكريس الأخطاء وتبريرها كما هو حالنا اليوم ! وليس هناك من حركة فنية تحرّم النقد ، وتستهجن أصحابه ، وتلاحقهم وتحاكمهم وتهمشهم وتكفرهم وتشوه سمعتهم ، كالذي نجده في حركتنا الفنية بطولها وعرضها ! وكأنها ثقافة متيبسة قوامها الخوف والرعب !
وربما مرد ذلك كله يعود من وجهه نظري الى ما يمكن ان يسمى بالفساد النفسي .الذي هو في ابسط معانيه يعني : الفساد في نمط التفكير والسلوك، وسيطرة النفس الأمارة بالسوء. و الانانية واللامسوؤلية تجاه مفهومي الاحترام و الاحتراف في الثقافة والفنون.

كما يقودنا ذلك بالضرورة الى مفهوم جلد الذات في ثقافتنا الفنية. بوصفه الشعور السلبي المتنامي وفق مناخ الإحباط عندما يخيم على الحركة الفنية بحيث تتوارى النجاحات ( و التي غالبا ما تكون قليلة أو باهتة ) و يتصدر الفشل واجهة الصدارة.
والشعور السلبي المتزامن مع جلد الذات ينبع من رغبة دفينة بالتغلب على الفشل والاخفاق، و لكن ليس عن طريق مواجهته و إنما بالهروب منه ( أو ما يعرف بالهروب إلى الداخل) و ذلك لعجز الفنان والمثقف عن إدراك مواطن قوته و مواطن ضعفه ( أو تحدياته ) و يسرف بدلا من ذلك في جلد الذات . كونها (حيلة براقه ومهرب آمن و مطية للفشل).

الغاية و المنتهى هما التقوقع و الانحسار داخل بوتقة الاخفاق مروراً بفقدان الأمل وصولاً إلى فقدان الرؤية و الطموح و انتهاءً بالتلذذ باجترار مرارة الألم حتى إدمانها. بدلا من (نقـد الـذات) التي توصف بالشعور الايجابي الناضج الذي يتلمس المعرفة ومواطن القوة والضعف بصدق و موضوعية و الاخذ بأسباب النجاح و الاستفادة من أخطاء الماضي .
و نقد الذات بالتالي هي الركن الركين الذي يسد الطريق على الهزيمة النفسية دون الحاجة إلى حجج أو مبررات أو تسميات براقه .

لا شك أن الحركة الفنية المحلية شهدت أنواعاً من النقد المتناثر هنا وهناك ، طال تجاربها وممارساتها، أفكارها وبنيتها وعلى الاغلب صناعها . ولقد اتسع هذا النقد في السنوات الماضية، بعد تلمس بعض مفاصل الاخفاق التي عاشتها الحركة الفنية دراميا ومسرحيا، ونحن نقول ذلك، نعرف طبيعة ونوايا هذا النقد ومدى جديته، حيث كان الكثير منه بعيدا عن العمق الفكري والفني وقريبا من جلد الذات حتى اغتيالها . وحتى نكون موضوعيين لابد من نقد التجربة والبنية التنظيمية للحركة الفنية ، من أجل الوصول إلى النقد التنظيمي، لأن التنظيم هو جسد الأيديولوجيا والسياسة في الممارسة الفنية ، و انعكاس عفوي للوحدة بين النظرية والممارسة.

وهذا بدوره يقودنا الى إن إشكالية بعض المشتغلين في التجربة الفنية الذين يتسللون للعمل الفني وفق منظومة صراع الأجندات والمكاسب والمنافع و الثواب والعقاب، ومحاكاة الغرائز وشراء الذمم ،. نعم يا سادتي انهم الأدعياء (شياطين التزلف والتملق) ينشرون بسلوكهم الانتهازي إفرازات وتقيـّـؤات عقدهم النفسيّـة من التعصب والتطرف والتوجس وعقلية التآمر والمؤامرة والحقد الدّفين المتأصـّـل في كيانهم وكينونتهم ، بمساندة نفخ السّـذج ممن على شاكلتهم من الطـّبول الجوفاء ، ناسيًـن ومتناسين أن الأدعياء تفكيرهم قاصر ومتكلس وعصي على الهضم، وأفقهم ضيق، ومنطقهم لجاجة، ويتّـخذون من التشدق بأساليب التمويه والسِّعَايَة والاغتياب ومفردات النميمة وفاحش الكلام المادّة المعبرة عن أفكارهم الضّـحلة والشّـاذة والمشوهة أخلاقيًـا ومهنيا واجتماعيا ، وبالتالي يصبح هولاء المتنطِّعين، مثل المنافقون الذين لا يستحيون أن يكيلوا المدحَ جُزَافًا، بحضرة ولي نعمتهم وقُبَالَتَه، مُؤَكِّدين له أنهم أكثر إخلاصًا له ، وأشدّ عطفًا وحنانًا عليه من أبيه وأمه، وأوْفَر فداءً له من أَخِلّائه الخُلَّص إن كانوا يُوجَدُون. لقد جرَّبنا أمثال هؤلاء المتنطِّعين، مراراً ووصلوا بنا إلى نتائج فنية كارثيَّة، وبدلاً مِنْ أنْ يعترفوا بمسؤوليَّتهم عنها، ويعتذروا عمَّا ارتكبوه مِنْ أخطاء وخطايا السخرة، وجدناهم، في كلّ مرَّة، ينخرطون في جوقات الندب واللطم وتقديم القرابين وتحميل المسؤوليَّة لسواهم أو لفاعلٍ مجهول، ريثما تسنح لهم الفرصة مرَّةً ليرتجلوا رطانات الانتهازية والتهريجية .

إن الإصرار في كل مرة على تطبيق نفس التجربة الفنية الخجولة مع أضافات بسيطة بالمفاهيم والتلاعب بالأفكار، لا يمكنها أن تثمر عن حركة فنية حقيقية تحترم ذهنية الجمهور ووجدانه ، خصوصا في ظل غياب المسائلة والشفافية النقدية وحضور المعصومية بالمفهوم الديني للكلمة .

مع مراعاة أن المنتج الفني الاردني لم يحظى كله أو جلّه بقدر كبير من الدراسات النقدية التي واكبت جديده ونبشت قديمه، وكشفت للعلن مظاهر تطوّره ومساراته وأبرز منعرجاته وتعرجاته وانفراجاته من خلال الاتكاء على دراسة عينات من المنتج الإبداعي. بدليل وجود كم وفير من المنتج الفني الذي من باب الجرأة يكمن انه نعطي بعضه صفة الإبداعي الذي لا يزال قضيا وعصيا على الدراسة والبحث، واقتصار الموجود، في أغلبه، على الانطباعات الصحفية والآراء العابرة التي لا تلامس عمق المنتج الفني الابداعي، وثمة بعض التغطيات التي توسم بالنقد جاءت مغرقة في النظريات والإسقاطات والمصطلحات والمفاهيم المقعرة والغموض القاموسي والفكري الذي ساعد في عشوائية الاختلاف في الفهم والمفاهيم وكأنها تغرّد خارج السرب. ولعل السؤال الأكثر وجاهة هو لماذا لم يحظ المنتج الفني والإبداعي بما يحمله من قيم فنية وفكرية ووجدانية ، وحمولات ومحمولات ثقافية حتى الآن بنقد جاد وموضوعي وبنّاء يظهر ما ينطوي عليه هذا المنتج من جماليات وخصوصية، وتبرز مكامن الخلل أو القصور إن كان ينطوي عليه؟ ، ويدفعه إلى اختراق المعروف والمألوف والتحليق في عوالم جديدة ومتجددة، تنفي وتنهي بعض الاعتراض والامتعاض من شيوع بعض الاعمال الفنية المخلصة لدرجة القداسة لما درج عليه الآباء والأجداد في عقيدة الفن.

وأعتقد جازماً أن ثمة قصوراً كبيراً وتقصيراً واضحاً من لدن المشتغلين في الحقل الفني ونسقه الثقافي متناسين ما فيه من ثراء وتنوّع يضفي على التجربة الفنية الاردنية صبغة خاصة تتمظهر في صورة أجلى وأوضح في البحث عن هوية المنتج الثقافي والفني وخصوصية الموضوع والمكان والزمان وانعكاس ذلك وتأثيره على الإبداع ، ورفد المشهد الثقافي والفني بالكثير من الرؤية والمعالجة والطرح والمناقشة، موضوعاً ومضموناً لمفاهيم الإصلاح: ومنها حقوق الإنسان، الديمقراطية، المشاركة الشعبية، الانتخابات، المواطنة، فصل السلطات، استقلالية القضاء، الحريات العامة والخاصة، المساواة، تمكين المرأة، الشفافية، الدولة المدنية، مؤسسات المجتمع المدني، التعددية، مكافحة الفساد..إلخ.

ولعل هذ احد اهم الاسباب وراء قيام نفر من الفاسدين والمفسدين من اشباه الفنانين بهجر مهمته الثقافية والفنية التنويرية و مطاردة المخالفين، والمطالبة بإقصاء هذا ومحاكمة ذاك، وتحوَّله إلى شرطي آداب وجلاد ثقافي ورجل أمن فكري ، و محققا في النوايا والخفايا وحارسًا على العقول. واوصلته الضغينة والاحتقان الى التشكيك والتخوين في اخلاقيات ومعايير الاخرين أفرادًا وجماعات. وبلغ الأمر به إلى حالة من جلد الذات بدلا من نقدها وتقويمها .
فمن أي فكر إصلاحي ينطلق هذا الفهم؟. إنها أزمة مفاهيم وأفكار واخلاق ! ضاعت آفاقها ودارت في صراع مع مفرداتها الداخلية. على طريقة العزف المنفرد.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : من يضع أولويات الخطاب الإصلاحي للتجربة الفنية ؟ في ظل غياب المؤسسات (أو على الأقل ضعفها) لكل إصلاحي حقه في تناول مفاهيم الإصلاح وأولوياتها من وجهة النظر التي يستطيع أن يرى منها حسب الزاوية التي يقف فيها. لا أحد يملك جميع الزوايا، لا أحد يستطيع أن يكون في مكانين بوقت واحد. لكن ثمة اتفاق على مبادئ إنسانية وفنية عامة يتواضع عليها المختلفون.
ومهما طرحت من حلول لهذه الأزمة لن تجدي نفعا في المدى القريب، أو البعيد. دون توفر نية المراجعة ونقد الذات واصلاحها جذريا ، كي توسع من عباءتها لتصبح ممثلة للخارطة الاجتماعية برمتها. بمعنى آخر نحن بحاجة إلى ثورة فكرية فنية أيديولوجية، تعيد مراجعة التجربة السابقة والحالية بشجاعة، وعمق، لكي تجد طريقها الصحيح. عدا ذلك يظل الطريق للخروج من النفق أبعد مما ترسمه مخيلة المتفائلين.

وتبقى ثقافة صناعة الجمهور. بعيدة المنال كون اغلب مايقدم لهم ، يجدونه ثقيلا ومتعبا ومملا ومليئا بالتصنع والتكلف.؟ ربما لأن الفنانين مملون بأفكارهم وأسلوبهم إضافة الى الجدية السخيفة والنبرة المتعالية في امتلاك الفهم والمعرفة كأنهم الحقيقية الوحيدة الساطعة التي ترفرف فوق كل الشبهات أو النقد . بوصفهم الصقوا بأنفسهم صفة الأبوية الجامدة والمتحجرة وهذه السلطة الأبوية المفترضة بسطت سلطتها العابسة وذوقها المتعالي على الجمهور ، و عليه من الطبيعي ان تختفي الروح التلقائية والعفوية الصادقة من نتاجاتهم الفنية، وبالتالي أوقعتهم في فخ الاستعلاء والانعزال عن الجمهور، فغاب الجمهور عن المشهد الثقافي والفني ، وأصبحوا يقدمون سلعة صعبة الهضم لا يتناولها إلا هم وأصدقائهم ، هؤلاء هم من يتحمل مسؤولية ضمور الحضور الثقافي والفني في بيئتنا المجتمعية . الموضوع يا سادتي ليس له علاقة بضحالة الجمهور… بل بغياب ثقافة صناعة الجمهور.

وببساطة اكثر تحتاج هذه الصناعة لموقف حرّ ومستقلّ وواعٍ ومسؤول، وبعيدا عن مادّة الوعي الزائف . حتى لا يصبح مايقدم من اعمال فنية مجرّد كشكول بشريّ لتجميع المعلومات واستعراضها؛. فالفنان الحقيقي يحرص على أنْ يكون دوره طليعيًاً لا ذيليّاً ولا مأجوراً ولا متسوِّلاً المنافع والمكاسب ورضا الآخرين؛ كما أنَّه ينظر إلى البعيد البعيد، فيرى الأفق وما بعده، وليس حركة قدميه ومواقع خطواته فقط؛ ويرى المشهد المحيط به بكلّ أبعاده وامتداداته وما حولها، وليس ما يليه منه فقط؛ ويقرأ التاريخ جيِّداً، ويستنطقه، ويستوعب دروسه، ويفهم منطقه. الفنان الحقيقي يعرف أنَّ الكثير ممَّن يتصدَّرون المشاهِد الحماسيَّة المفتعلة لا يمتلكون الشجاعة لتحمّل مسؤوليَّة مواقفهم لاحقاً؛ فعندما تتَّضح صورة نتائجها المأساويَّة وانعكاساتها المدمِّرة، فإنَّهم أوَّل مَنْ يتنصَّل منها ويتنكّر لها.. لا شيء بريء براءة الأطفال في معركتنا الفنية؛ لذلك، على الفنان، عندئذٍ، أنْ يتلمَّس رأسه جيِّداً، وينتبه، ويفكِّر مليّاً، قبل أنْ يطلق أحكامه جزافاً أو يرتجل مواقف خاطئة تضعه في غير موضعه الصحيح، بدلا من ان يقدم فنا حقيقيا يترجم آهات المستضعفين والمقهورين ويعبرعن معاناتهم وهمومهم ويعكس أحلامهم . لذلك كله … أفسحوا المجال للخطاب الثقافي والفني أن يقول كلمته ، و لنسعي جاهدين متكاتفين لتطهير وتنقيح منظومتنا الفنية من اتون الكراهية و التعصب والإقصاء والتكفير والعنصرية والتشكيك والتخوين و حمّى الاصطفافات والانزياحات الانتخابية و غيرها من الممارسات التحريضية التي قضت مضاجع أمننا الفني وتعايشنا مع ذاتنا و مع الأخر وسلبتنا آمالنا وطموحاتنا وحريتنا.
ودمتم بخير ومحبة

د.عمر نقرش – الأردن

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح