الرئيسية / عين على المسرح العربي / “العريس” مسرحية مغربية تمزج بين الضحكة والدمعة

“العريس” مسرحية مغربية تمزج بين الضحكة والدمعة

 

مازال المسرح الملحمي يمتلك قدرات هائلة على النقاش في تفكيك الأحداث الواقعية، وهو ما يسمح له بنقدها وكشف خباياها والتفكير فيها، حيث لا يحجب التماهي العاطفي قدرة الجمهور على التفكير. وهذا ما تقدمه المسرحية المغربية “العريس“ التي تحاول تفكيك فترة شائكة من تاريخ المغرب.

كان لعرض مسرحية “العريس” في مدن مغربية كثيرة وعلى مسرح محمد الخامس بمدينة الرباط وقع مهم على المشاهدين من الأجيال المغربية الشابة، التي لم تعش فترة السبعينات بكل مشكلاتها السياسية وأحداثها. قدمت المسرحية فرقة “مؤسسة أرض الشاون للثقافات” بمشاركة المسرح الوطني محمد الخامس، بتمويل من وزارة الثقافة المغربية، وهي مقتبسة عن رواية بالاسم نفسه للكاتب صلاح الوديع، وأخرجها ياسين أحجام.

الضحكة والدمعة

أرخت المسرحية لفترة السبعينات من القرن الماضي، التي وقعت خلالها اعتقالات لمعارضين، وأعقبتها في التسعينات مرحلة الإنصاف والمصالحة، التي تم خلالها إطلاق سَراح المعتقلين السياسيين، وتعويضهم ماديا عن سنوات الاعتقال.

اختزل صوت المعلق موضوع المسرحية عبر ترديده، الأبيات الشعرية للشاعر اليوغسلافي فيجسلاف كرينانوف “في كل ليلة يرفع الموتى غطاء قبورهم، ويتحسسون برؤوس أصابعهم، ما إذا كان أحد، قد مسح الاسم عن الشاهد”.

ونالت الرواية التي اقتبست المسرحية عنها عند صدورها في العام 1999 اهتماما من النقاد، وقد اعتمد متنها على عشرين رسالة كتبها سجين لأمه، وعائلته يصف فيها معاناته في السجن. ومثلت تلك الرسائل في ذلك الوقت كشفا موضوعيا غير معروف لحياة المعتقلين. والرسائل كتبها صلاح الوديع لأمه، خلال فترة سجنه من 1974 إلى غاية 1984.

 إعادة اكتشاف التاريخ من خلال رسائل سجين إلى أمه

المخرج أحجام حاول أن يجسّد روح النص الروائي الكابوسي من خلال مزج الأحداث بروح الفكاهة، والسخرية المريرة في مشاهد حياة السجناء بالمعتقل وما يحدث من مفارقات أثناء التحقيق معهم.

الديكور ساهم في إِكمال مشاهد الاعتقال من خلال آلة معدنية، ملطخة بالبوية الحمراء يديرها الشاف (القائد) وقد مثل دوره “عادل لوشكي”. وتتوضح العلاقة بين السجان والسجين من خلال حوارات الحاج، المشرف على السجن، والذي مثل دوره عبدالحق بلمجاهد، ومساعده علال، الذي مثل دوره زهير آيت بنجدي.

امتزجت الضحكة بالدمعة من خلال نص ميلودرامي حاول المخرج فيه أن يشرك المُشاهد في الأحداث بإزالة الحاجز بين الجمهور والممثلين. وتركيز الخطاب المباشر معهم حول ضرورة التحاور، وتصحيح المسارات بين القوى السياسية، والدولة بدلا من العنف المتبادل، الذي يذهب ضحيته الأبرياء، كبطلي المسرحية المعتقليْن، وقد أدّى دوريهما أحمد الأمين ريان ونبيل المنصوري.

فمحمد يُلقى عليه القبض في عرس ابن عمه، وسط ضجيج الموسيقى والغناء الشعبي. وكأنما يقارن المخرج بين عالمين؛ عالم معلن ومملوء بالفرح والألوان، وعرس آخر هو عرس السجين السري، المملوء بالدموع، والآلام والحزن والخوف والعزلة.

تصبح حاجات السجين الطبيعية في المعتقل مشكلة صعبة، ويمتنع السجين عن الأكل والشرب إلا بقدر ضئيل، لئلا تضطره الحاجة التي لا بدَّ منها إلى التوسل للسجانين بالسماح له بالذهاب إلى دورة المياه. ووردت الكثير من البذاءات التي وجهها السجانون للمعتقلين في المسرحية. وهم يسمون المُعتقل بـ”الكسدة” أي (لحم الأضحية) في نوع من التحقير. وأكثر المشاهد درامية نزول السجانين، ليبحثوا بين الجمهورعن “الكسدة” الهارب من المعتقل، قائلين للجمهور إنهم يبحثون عن “كسدة” هاربة، على طريقة بريخت بجعل الجمهور جزءا من المسرحية وإشراكه في الحوار والحدث.

يقول السجين، وهو يكتب لأمه رسالة يصف فيها أحواله ويعنونها بـ”يوم المرحاض”، “حين سمح لي الحاج (السجان) بقضاء الحاجة. فكرت في نفسي، حول وضع يصبح فيه إعلان رغبة قضاء الحاجة على رؤوس الإشهاد عادة مؤسسة لا ينقصها إلا دستور موثق. ولك يا والدتي أن تتصوري الوضع الذي كنت عليه: أريد أن أقضي حاجتي، وهناك من يريد أن يراقبني في فعل هو بكل المقاييس شخصي!”.

وفي مشهد آخر مؤثر، يسميه المؤلف “يوم الببغاء” يقول السجين “اعتقدت أنني نلت من العذاب ما كفاني. عادوا مرة أخرى، فنادوا عليَّ وضُربت وأنا معلق في الهواء وظهري إلى أسفل، ويداي ورجلاي موثقتان حول عمود وضع بدوره بشكل جعلني معلقا في الفراغ. ووضعوا خرقة مبللة عبقة بأقذر ما في مراحيض البلد من روائح. مزيج معلوم المقادير من بول وتبغ محروق، وبقايا براز وأوساخ غامضة المصدر، ووضعوا الخرقة برفق، وهي تتقاطر فوق وجهي ثم ألصقوها بأنفي وفمي. والدتي العزيزة سأكتب الرسالة التي لن تصلك. سأكتبها في ذاكرتي”.

المسرح الملحمي

اللعب بين عالمين أحدهما معلن والآخر سري

أعادت مسرحية “العريس” فتح جراح الماضي بطريقة بريخت، وساهمت تقنيات المخرج وطريقة استعماله للسينوغرافيا والأكسسوارات والملابس والموسيقى برسم عالم السجون، مما جعل النص يدور حول النقاشات السياسية، كما في المسرح الملحمي لبرتولد بريخت. حيث أعاد المخرج صياغة المشاهد بتبادل الأدوار، بين السجان والسجين. وحمَّل حواراتهما بأكبر قدر من المبالغة، والتهويل لإضحاك الجمهور، وحثهم على اتخاذ موقف مما يرونه من دون أن يحدث التطهير العاطفي داخل المسرح.

مثلا حين يسأل الحاج السجان المعتقل عن راتبه قبل الاعتقال، فيخبره أنَّه أربعة ألاف درهم، فيقول له متعجبا، “أنت تستلم شهريا كل هذا المال من الدولة، وتعمل المشاكل لها؟” ويقارن بين راتبه الهزيل، الذي لا يتجاوز الألف درهم، وراتب المعتقل، الذي يفوقه بثلاث مرات، فيطلق المزيد من الشتائم عليه.

لم تنقل المسرحية أحداث الرواية كاملة، بالرغم من أن المخرج أراد أن يحول السرد إلى حركات ومشاهد قصيرة، لكنه لم يفِ حق جميع الرسائل التي نشرت في الرواية. وربما كان ذلك لمتطلبات العمل المسرحي التي تختلف عن العمل الروائي.

كما أن محاولة المخرج إضافة مشاهد كوميدية تقع خارج سِياق الرواية، كمشهد النظر عبر المنظار المقرب من قبل الحاج لاقتناص مشهد عري سيدة في بيتها المجاور للمعتقل. وقد ورد في الرواية أن مكان السجن يقع خارج المدينة بمنطقة نائية وبعيدة.

كما أن مشهد “السلفي” الذي يأخذه الشاف (القائد) مع المعتقلين أثناء التحقيق معهم، لم يضف إلى المسرحية أي رمزية، لعصرنة الوقائع، فالجميع يعلم أنَّ الأحداث وقعت في بداية السبعينات، ولم يكن وقتها هناك “سلفي” كما في هذه الأيام.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح