أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / العرض الأول لمسرحية «قصر السعادة» لنزار السعيدي في قاعة الفن الرابع: هل من حقنا الحلم في «بلاد القد قد» / مفيدة خليل #تونس

العرض الأول لمسرحية «قصر السعادة» لنزار السعيدي في قاعة الفن الرابع: هل من حقنا الحلم في «بلاد القد قد» / مفيدة خليل #تونس

 

العرض الأول لمسرحية «قصر السعادة» لنزار السعيدي في قاعة الفن الرابع: هل من حقنا الحلم في «بلاد القد قد» / مفيدة خليل

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، كلكم صادق وكلكم مذنب، كلكم جان وكلكم ضحية، كلكم حالم وكلكم يجهض كل حلم يراوده، كلكم كاذب وكلم شفاف،

كلكم يدافع بشراسة عن الاخرين ويعجز عن الدفاع عن حقوقه وحرياته، كلكم مجرم ومذنب امام ذاته وأمام الآخرين كلكم يدعي انه يسكن قصر السعادة وهو يقيم في كوخ المأساة والبؤس.

«قصر السعادة» عنوان عمل للمخرج نزار الجديدي الذي قدم مساء الثلاثاء 26 نوفمبر عرضه الاول في قاعة الفن الرابع، «قصر السعادة» مسرحية تتساءل عن الانسان وهي من أداء حمودة بن حسين وعلاء الدين شويرف وجمال ساسي وامال الكراي وفاطمة عبادة وانتصار عويساوي وسينوغرافيا فاطمة العتروس وتدريب صوتي وموسيقى لرانية الجديدي وكوريغرافيا ملاك زويدي وملابس عبد السلام الجمل وإضاءة علي الهلالي.

جميعنا متورط في السؤال
المسرح سؤال لا يموت المسرح فكرة تأبى الترويض، المسرح ارادة للحياة تعجز عن تفتيتها اقسى المصاعب، المسرح حلم وصناعة للحرية من العدم، فعلى الخشبة كل شيء مباح، على الخشبة للممثل ان يصرخ ان يجردنا من اوهامنا وحقائقنا المزيفة دون اعتراض، له الحق ان يوجه الينا اصابع الاتهام ويكشف عن سرابنا الذي ندعيه.

على الخشبة للممثّل الحرية المطلقة ان يشتم قبحنا ويقول قصائد رثائية في كذبنا وزورنا وبهتاننا امام انفسنا وأمام العائلة والمجتمع فالوطن، وعلى الخشبة جرّدنا ممثلو مسرحية «قصر السعادة» من كل اوهامنا ونزعوا عنا الماكياج والأقنعة وتركونا نتخبط في حيرة السؤال، نصطدم بحقائق موجعة كنا نحاول تجاوزها ونرتطم بأسئلة قلقة نحاول ان نغمض عنها أعيننا على الرّكح ابدع الممثلون في اصطحاب المتفرجين الى عوالم السؤال الى عوالم الانسان الحقيقي الصادق الذي نخفيه لسبب أو لأخر وذلك هو المسرح فضاء رحب للسؤال.

من الضحية؟ ومن المتهم؟
المسرح وسيلتهم ليكشفوا حقائق مخفية، المسرح اداتهم لينقدوا المجتمع والعادات والسلطة الابوية وسلطة الدولة و«السيستام الى نخروا السوس» على الخشبة لهم الحرية الكاملة ليعلنوا عن انتهاء القيم وموت العادات ويدعوا لضرورة التجديد وضخ دماء جديدة وأفكار جديدة تحكم الدولة وتسطر دستورها.

«قصر السعادة» اسم المسرحية، عنوان متكون من مترادفتين الاولى القصر وهي البناء الضخم الفخم والثاني «السعادة» بما تعنيه من راحة وحب وانتشاء وفرح، وقصر السعادة هنا ليس القصر بمعناه المادي اي «البناء» بل بمعناه الجمالي الاستيتيقي والشعوري الذي يشعر به المدمن بعد ان يتناول جرعة مخدراته ليرحل الى عالمه نراه نحن «وهما» ويراه هو قصرا عالي البنيان فيه يعايش لحظات السعادة الكاملة دون نقصان، سعادة يشتريها بالوجع.

في قصر السعادة يطرحون العديد من الاسئلة تنطلق من الادمان وصولا الى المجتمع والدولة والسيستام، حكاية المسرحية تبدأ برحلة طالبة دكتوراه في علم الاجتماع (انتصار عويساوي) تنجز رسالتها وهو الإدمان وتتناول حالتي «شبيب» تلميذ الباكالوريا المشاكس والمدمن خاطئا شخصية عنيدة حسب الحكاية هو ابن لعسكري ومحامية، تمرد على النظام والقسوة ليصنع عالمه وان كان مختلفا او خاطئا لكنه صاحب القرار فيه، الحالة الثانية لعجوز «امال الكراي» هي الاخرى مدمنة. واختيار حالتين مختلفتين كان الهدف منه محاولة البحث عن اسباب الادمان التي تختلف من شخص الى آخر.

الادمان ذلك الغول الذي يهدد التلاميذ، يهدد الاطفال والكبار، في المسرحية يطرحون اسئلة عّن المتهّم؟ من الضحية؟ من المسؤول عن انتشار ظواهر الإدمان أهو الشخص الذي يختار طريق المخدرات ليرحل عن حقيقته الموجعة؟ ام العائلة التي تختار لأبنائها طريقا لا يحبونه دون معرفة ما الذي يرغبون في ممارسته؟ ام المجتمع الذي يسلط على المرء جميع انواع العقاب النفسي فيهرب من ظلمه الى المخدرات؟ ام «السيستام» ذاك الذي يخنق الاحلام فيصنعها الانسان في خياله عبر المخدرات؟ وبين الضحية والجلاد والمتهم والسبب تدور احداث المسرحية التي تغرق المتفرج في عوالم السؤال؟.

جمالية جديدة تطرح السؤال عن حقنا في الحلم؟
ساعة من السؤال، ساعة من تبادل الشخصيات والمفاهيم، الكل على الركح متهم وجميعهم ضحية، احداث المسرحية تنتقل من مركز لعلاج المدمنين الى فضاءات متعددة، فالمكان في المسرحية أمكنة جميعها صنعتها اجساد الشخصيات وبضعة كراس والزمن كذلك ازمنة.

على الركح عدد كبير من الكشافات (projecteurs) التي تتحول بدورها من جماد الى شخصية مساهمة في سيرورة الأحداث فالضوء يلعب شخصية الحقيقة او ضمائر الشخصيات او صوت الحقيقة كلما دخلت شخصية الى عوالم الظلمات او حاولت اخفاء سرّ ما تفضحه الاضواء لتصدح بالحقيقة.

الاضواء تصبح شخصية فاعلة لها حضورها ونصها غير المنطوق، الموسيقى ايضا تكون جزءا من الحكاية تتماهى مع الضوء وطريقة حركات الممثلين وتبادل الادوار والشخصيات لصناعة فرجة مسرحية جديدة، مشهدية مختلفة عن المتداول، صنع معها المخرج نزار السعيدي بعض ابجديات الفرجة التي الفها المتفرج في المسرح، فرجة مختلفة اعتمدت على الشخصيات وصنعها الممثلون الذين ابدعوا في التجسيم وتقمص الشخصية إلى حدّ التماهي كذلك توظيف الضوء والتقنيات اللونية لكتابة نص درامي موجع.

من مسالة الإدمان انطلقوا ليعالجوا ويتساءلوا عن مواضيع عديدة في علاقة بالدّولة، فالعسكري ينفذ قوانينه الصارمة على عائلته تماما كما تسلط عليه اوامر رئيسه، والفتاة التي تعمل في الدعارة دفعها جور العائلة لتعشق جسدها ومنه تجني أموالا لتعيش، والعجوز المدمنة اجبرها الزوج على تعاطي المخدرات حتى أصبحت مدمنة والطالبة وجدت نفسها وحيدة وسط قضايا اجتماعية واجهتها وعودها طري لتكتشف انّ شعارات الجامعة لا تتماشى مع الواقع، كذلك الاستاذة هي الاخرى مستاءة من النظام التدريسي التلقيني لكنها مجبرة على العمل دون نقاش؟.

من مسالة الادمان نقدوا العائلة والمجتمع، نقدوا الدولة وسياستها الخاطئة، من فكرة ادمان شخص توغلوا في تفاصيل المجتمع إلى حدّ الكفر بعاداته وتقاليده والكفر بدينه ودنياه والكفر بنظامه وأساليبه القاتلة، من مشكلة اجتماعية انطلقوا ليتساءلوا عن جدوى الحلم في «بلاد القد قد» فنحن كما «الماكينة» نفكر «قد قد» و نعيش «قد قد» وحده السيستام يوفر لنا هذا الهامش الذي يسمى «قد قد».

وفي اطار التجديد في الفرجة كانت للمسرحية نهايتان، وترك المخرج للمتفرج حرية اختيار النهاية التي يريد، النهاية الاولى وردية جدا ف«شبيّب» المدمن يقرر ان يخوض تجربة العلاج وهو في السّجن، وتزوره الاستاذة لتشجيعه على التمسك بحقه في المداواة من الادمان.

كذلك العجوز تقرر ان تتخلص من الروح وتتجرع الدواء وتنتحر في المكان الذي تريد، تنتهي الحكاية ويقدم الممثلون التحية وفجأة تشتعل الاضواء من جديد ويتواصل التمثيل على الركح بتقنيات سينمائية خاصة «فلاش باك» كأنك تشاهد فيلما وتسترجع احداثه لتٌقدم نهاية ثانية اقرب الى الواقع فشبيّب في السجن يتعرض الى التحرش فالاغتصاب ثمّ يقتل مغتصبه وبذلك يواجه تهمة اخرى، والاستاذة لم تعد تزوره وتخبره صديقته انها مرضت او جنّت، والعجوز تعترف بقتلها لزوجها قبل قرار الانتحار وبين الحالتين تعيش الاستاذة الباحثة حالة من التشظي فتدمن وتشعر بالوجع وتعايش الحالات لتقترب من الحقائق، وقد ابدعت انتصار عويساوي في أداء الشخصية وعلى الركح تساءلت، بكت وضحكت واصطحبت الجمهور في رحلة نفسية واجتماعية موجعة.

(صور لحسان فرحات)

_________________

المصدر / المغرب

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح