أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / السرد المشهدي ،في مسرحية (التابوت) – محمد كويندي #المغرب

السرد المشهدي ،في مسرحية (التابوت) – محمد كويندي #المغرب

السرد المشهدي في مسرحية (التابوت) – أ.محمد كويندي #المغرب

    قدمت فرقة دوز التمسرح عرضها الجديد عشية يوم الخميس 14 نوفمبر2019 بالمركب الثقافي سيدي بليوط “التابوت” وهي مسرحية أعدها المخرج عبد الجبار خمران عن السيرة الذاتية ( أقواس أيامي ) للمسرحي الراحل محمد تيمد، وتشخيص لعبدالفتاح الديوري، وتوفيق أزيدو، وزكريا حدوشي، ورجاء خرماز – سينوغرافيا يوسف العرقوبي، كوريغرافيا توفيق إزديو، موسيقى زكرياء حدوشي، ملابس طارق ربح.

    اعتمد المخرج عبدالجبار خمران في هذه التجربة على التكثيف والاختزال والإيجاز، والسرد المشهدي، والإيقاع الزمني، بين السرعة ، والبطء، الذي يسمح فيهما للسارد منحى العرض الدرامي في سرد الحدث، من خلال استعمال الحوار وجزئيات الحركة.. حتى يعطي انطباعا أننا أمام فعل مسرحي تتحاور فيه الشخصيات وتتحرك وتمشي وتفكر… وهذا التحدي الصعب وفق فيه المخرج خمران بدرجة عالية، أمام عمل سردي، (السيرة الذاتية للراحل المسرحي التيمد – أقواس أيامي)
في اعتماده التقنية (*)السردية التي تشكل محاولة لإقصاء السارد عن مسرح الحدث أو تحييده وتهميشه ،أو اخفائه وراء الشخصيات لتبدو وكأنها تعبر بتلقائية عن نفسها على مسرح الأحداث تماما مثل المسرحية”
وهذا ما أعطى للمَشَاهد الدرامية دور حاسم في تطور الأحداث وفي الكشف عن الطبائع النفسية والاجتماعية للشخصيات. .

    في المشهد الأولى الذي كان مفتتحا للعرض وأعني بذلك نقطة النزوح الجماعي من الصحراء إلى فاس،ثم في المحطة الثانية الانتقال من منزل إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى.
ونستنتج من هذا التنقل عدم الاستقرار الذي ساهم في تشكيل وعي الطفل المبكر.
نعم، لأن الذي طَال أسرته ككل من معاناة في انتقالها من مكان لآخر، هي نفس المعاناة التي طالته هو كذلك كطفل . حيث نجده يتنقل من كُتاب / المسيد، للأطفال إلى آخر، ثم تنقله في يفاعة شبابه إلى جمعية أنصار الفن وهو لم يتجاوز آنذاك سن ثمانية عشر من عمره .
إلى هنا يجعلنا المخرج بفنية راقية نتعقب خيط أريانة كدليل للأيقونات الرمزية الثلاث ذات الحمولة الدلالية التي شكلتْ معمار العرض :

“البيضة . الليمونة. التابوت”
وكأن هذه الأيقونات الرمزية المفكر فيها بوعي حاد جدا هي التي تدلنا على مسار عمر حافل بالعطاء الفني والمسرحي عند المرحوم تيمد، كما سنتطرق إلى ذلك.

    في المشهد الأول نشاهد تابوتا يتوسط الركح يتحرك في كل اتجاه حتى يستقر أقصى اليمين من الخشبة، هذا التحرك/ الفعل يحيلنا على فلسفة التيمد المسرحية كتقنية تشهد له على النأي بعيدا عن السائد والمألوف في مسرحنا إلى المختلف عنه ،(حد استعصاء تصنيفه) وهذا يحتسب للمخرج حتى لا يبقى سجين الإحتفاء بما هو سير ذاتي عند المرحوم تيمد فقط.

أضف إلى هذا، رؤيا الأم لرجل معمم بعمامة خضراء يقف عليها في منامها ليحاورها في مناجاتها ورغبتها ومناداتها وتوسلاتها إليه؟ إبتغاءا منه شفاء إبنها المصاب بالجذام…
ثم خصيصة أخرى، التقشف في الديكور بإستثناء التابوت الذي يبدو كنقطة إرتكاز وسط الظلال والإنارة الخافتة .. وكذا بؤرة الضوء الحمراء التي تتساقط إشعاعاتها من الأعلى لتشكل خمارة . ثم دخول الممثلين من كلا الجانبين في حلقة مغلقة وتغيير الملابس أمام الجمهور ، وأغاني حسين السلاوي، كلها لمسات فنية وجمالية تعبر عن الوجه الآخر الفني عند المرحوم التيمد . هذا الذكاء في التوظيف يجعل العرض يأخذ مستويين في قراءته المستوى الأول : ” هذا التوظيف المومأ إليه و المعبر عن الحس الفني والجمالي في مسرح التيمد.

أما البعد الثاني : ” هو مستوى قراءة العرض الذي نتماه معه كمشاهدين بخصائصه الفنية في مسرحة سيرة ذاتية وفق تشخيص ممثلين لتلك الأحداث بتعبيراتهم اللفظية والجسدية كقناة لتمرير الملفوظ سرديا وحركيا إلى المشاهد/ المتلقي ..كانت جدتي تحكي لي:” أننا جئنا من الصحراء محملين بسليلة ( تصغير سلة) من التمر… كان عام الجوع والقحط والحرب ! أنا إسمي محمد التيجاني! إذا أمعن النظر في هذا الإسم نجد ( الكنية) مركبة منه : حرفي (التاء والياء) ” تي ” التي تختصر التيجاني! و (الميم والياء) “مد” التي تختصر محمد.

وعليه نقف على اللعب بالألفاظ بدءا من الإسم = تيمد! إننا أمام حياة مركبة منذ نشأتها، أو بعد تكسير البيضة قبل نضوجها مبكرا : طلب مني الفقيه جمع حق النّفاس، في منطقة الرصيف، فجأة حدث هرج ومرج من الهلع بين الناس ، الهلع الذي خلقه المستعمر بقتل الأبرياء، وعندما رأى الطفل سقوط موتى بجانبه انفلت منه الإزار الذي كان يلم فيه “البيضة ” وما تصدق عليه به الناس .. فتكسرت البيضة .. ثار الأب في وجه الفقيه على إثر هذا الحدث .. وتوقفت مسيرة تعليم الطفل بتكسير البيضة كرمز لحياة لم تتشكل بعد في نضوجها ، لكن، للأسف لم تكتمل .. انتقلت بعدها إلى جمعية أنصار الفن .. فينتقل الرمز إلى ” الليمونة” التي تمثل في قرينتها الدلالية (الحياة) بحلوها وحموضتها وكلما تم تقشيرها تجلت له أشياء إما سارة أوضارة .. طلبت مني الزوجة طلاقها لكني كنت أرد عليها إنني أحبك…العدل كان جارنا حاول الصلح بيننا … لكنها كانت تصر أريد الطلاق …(صمت) تتخلله موسيقى .. ثم تبادل الممثلين في ما بينهم فصوص الليمونة التي تعرت بالكامل وهم يستلذون مذاقها ويرددون في ما بينهم :” حامضة.. حامضة..” المرأة هي الوحيدة التي ترغب في ليمونة حلوة … ويبدو هذا كشرط تعجيزي…

    وتبقى رمزية التابوت” هي المبتدأ والخبر لأنها التيمة “الكشاف” الذي يسلط ضوءه على باقي العرض .. وهنا تحضرني قولة للكاتب الإسباني خوان مياس (الرواية تابوت يحوي الجثة) وهو يقصد هنا الحكاية كاطار يحوي باقي العناصر الأخرى ، ونحن أمام هذا التابوت الذي يحوي العرض وجميع مرفقاته الفنية ،كما يحوي سيرة حياة فنان وفنه .. واللعب به كذلك جماليا و فنيا : “مرة حمام ،وأخرى سيارة…الخ كانت مسرحية التابوت التي نعتبرها إطارا يحوي نقلة نوعية في المسرح السرد المشهدي بامتياز، وهذا يؤكد أن المشهد المسرحي المغربي زاخر بالطاقات الشابة المبدعة ووعيها الفني بالكتابة المسرحية ،لأن الوعي بالكتابة هو الكتابة ذاتها، دون ذلك اجترار وابتذال … تحية عالية لجميع أفراد جمعية دوز تمسرح.

المصدر : محمد كويندي

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح