الترويج الرقمي للمنتج المسرحي.. وعلاقة المسرح برجال الأعمال(*) – كنزة مباركي #الجزائر

دخلت التقانة ومنتجاتها دقائق وتفاصيل حياتنا، وتغير نمط الاستخدام والتلقي والتعاطي مع كل شيء من حولنا. العلوم والمعارف والفنون والأساليب والأنماط الحياتية كلها تمتثل للتحول الرقمي واشتراطاته؛ وإن كان هذا الامتثال متفاوت الدرجات، إلا أنه لا يمكن إلا أن نسمع عن كل شيء رقمي حولنا. إننا نتحول تدريجيا إلى رقميين في عالم رقمي، وهذا التحول يتطلب آليات قراءة وتحليل جديدة، كما يتطلب تحولا مؤسسيا مرافقا، وتحولا في التفكير، ينتقل من تزاحم الأفكار في رأس مثقلة بهم الماضي والحاضر، إلى تدافع الأفكار في شكل خوارزميات تبرمج الرأس لتفكر في مستقبل قريب جدا يبدأ من الآن، من نقطة انتعاش كل ما له علاقة بالثقافة والمعرفة اقتصاديا، وتحول التنوع الثقافي والإبداع إلى موردين مهمين في التنمية الاقتصادية للدول.
أمام هذا التحول الرقمي المفروض؛ يدخل الفن عموما، والفن المسرحي خصوصا مجال الرقمية إنتاجا، توزيعا وتلقٍّ، وإن كانت استجابته متأخرة مقارنة مع قطاعات ثقافية أخرى كالموسيقى مثلا. فقد بدأت المؤسسات، التعاونيات والجمعيات المسرحية في الجزائر بتقديم خدمات رقمية مسرحية للجمهور المهتم بإنشاء مواقع ويب وصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي، تثريها بمعلومات وأخبار وصور عن المنتجات الفنية التي تقدمها في سبيل الترويج والتسويق لها. ويدخل هذا النمط من استخدام الوسائط الالكترونية من قبل المؤسسات المسرحية في مجال الترويج والتسويق الالكترونيين للمسرح.
بانخراط المسرح في هذا العالم أخيرا، يكون قد ارتقى إلى ضفة الحلول لمشاكل الترويج للمنتج المسرحي العويصة وتسويقه، لكن، بأي آليات ومعايير يتم استغلال الوسائط التكنولوجية للترويج للمنتج الثقافي عموما والمسرحي على وجه الخصوص؟ وهل يتم ذلك وفقا لخطط مدروسة، وبمراعاة خصائص الوسيط التكنولوجي والتي تعد التفاعلية أهم خصيصة فيها، أم أنها عبارة عن ممارسات تقليدية على حامل تقني فحسب؟ ما مكانة التكنولوجيا في المؤسسات المسرحية؟ وكيف يمكننا توصيف الوضع المسرحي الجزائري حيال العالم الرقمي ترويجا وتسويقا؟ وما دور الإعلام الإلكتروني بالأخص في دفع الحراك المسرحي إلى جمهوره، وهل وصلت رجالَ الأعمال عندنا ثقافةُ الاستثمارِ والاقتصادِ الثقافيَّيْنِ عموما والمسرحيَّيْنِ على وجه الخصوص؟
الترويج الرقمي للمنتجات والفعاليات المسرحية؛
يتم تداول موضوع الترويج والتسويق الإلكترونيين في وقتنا الحالي بشكل واسع وكبير، لما لهما من أهمية في مجال الصناعات الثقافية، والاقتصاد والاستثمار الثقافيين، وهي أيضا المجالات الأكثر جذبا لاهتمام المشتغلين في مجال الثقافة والاقتصاد معا في الفترة الأخيرة. ويمكننا أن نعرف الترويج الإلكتروني للمنتج المسرحي إجرائيا، بأنه: بناء استراتيجية إعلان ذكية ومتواصلة للمنتج أو الفعاليات والتظاهرات المسرحية باستخدام الوسائط الرقمية المتعددة، والانترنت.

في ظل المشاكل التي تواجه المنتج المسرحي، وتعيق عملية تسويقه والترويج له؛ يتعين على القائمين عليه الاتجاه بقوة وذكاء نحو استغلال الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وإنتاج وابتكار مبادرات وآليات ترويج وتسويق جديدة تواجه العقلية التقليدية المتبعة في المؤسسات المسرحية الحكومية بالأخص. فالتخطيط الذكي لرؤى وأهداف ومرامي واضحة للأعمال التي نقدمها، لا يغفل أبدا خطة الترويج والتسويق لها، والعمل على متابعة هذه الخطة عبر كل مراحل تنفيذ الإنتاج، للوقوف على نسب مرضية لتحقُّق الأهداف المسطرة، والوصول إلى قاعة العرض بجمهور أثَّرت فيه خطتنا الترويجية.

وبالانتقال إلى الحالة الجزائرية – وحتى في بعض البلدان العربية- نجد أنفسنا أمام استغلال شكلي سطحي وضيق للرقمية في مجال الثقافة والمسرح، فأغلب الخدمات الرقمية المقدمة بغرض الترويج والتسويق للمنتجات المسرحية والفنية تقدم بصفة ارتجالية، وهي الصفة التي لم نلصقها بها جزافا ولكن من خلال متابعة طرق وآليات اشتغال أغلب الخدمات الرقمية الترويجية للتظاهرات المسرحية بالأخص. فتتبعنا لآليات وطرق عمل أغلب المواقع الإلكترونية للمؤسسات والجمعيات والتعاونيات المسرحية وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي يفضي بنا إلى رصد بعض الملاحظات التي يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

 المواقع الإلكترونية المسرحية (تابعة للمسارح والتعاونيات والجمعيات أو المواقع المسرحية على قلتها) لا تحدث بصفة مستمرة مضامينها، خاصة ما يرتبط بتقديم معلومات عن منتج أو تظاهرة مسرحية.

 صفحات الفيسبوك التابعة لهذه الجهات المسرحية نمطية، تقليدية العمل والنشر، وهي تُخِلُّ بخاصية التفاعلية التي تمِّيزُ شبكات التواصل الاجتماعي.

 النشر المرتجل وغير المدروس للإعلانات، الدعوات، المعلومات الإخبارية عن الأعمال والتظاهرات والفعاليات المسرحية. أما صفة الارتجال فنضعها لغياب تخطيط استراتيجي لمواقيت وتواريخ النشر. وأما صفة (غير المدروس) فتنسحب على النشر حين يكون لمحتوى هزيل المعلومات، واللغة، والدلالة، والوسائط. المشكلة الواقعة اليوم، والتي كثيرا ما وقفنا عليها متابعين، ودارسين هي عدم إثراء مواقع الويب الخاصة بالمؤسسات المسرحية وصفحاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بانتظام بالرسائل الاخبارية، وبالصور المنتقاة بعناية، فأغلب الصور التي تنشر لا تنشر بعناية مستوفية الشروط الإعلامية، الجمالية والفنية والإشهارية.

 تصمم الملصقة بصور لا تتوفر على جماليات الصورة المسرحية وهذا ليس في صالح العملية التسويقية. وكثيرا ما يتم اللجوء إلى صور تشكيلية وتجريدية داخل الملصقات وهي برأينا ليست عامل جذب.

 ثمة نقص كبير جدا في توظيف موقع يوتيوب والبث المباشر في مجال الترويج للعروض والفعاليات المسرحية في الجزائر. وما توفر منها مجرد ومضات لا تعطي المهتم والمتلقي والدارس فكرة عن العمل أو الحدث المسرحي. وهنا نشير إلى أن هذه المؤسسات المسرحية قد أفلتت من بين يديها هذه الوسائط المهمة جدا كوسائط دعائية وتوثيقية للأعمال والفعاليات والمهرجانات، وللمؤسسة في حد ذاتها باعتبارها أيضا وسائط تواصلية تفاعلية بين المؤسسة والمتلقي والمهتمين والباحثين.

وهنا، يمكننا الإشارة إلى أن هذه الاخطاء ناتجة عن لا مبالاة المسؤولين على هذه المؤسسات والتنظيمات بأمر الترويج الرقمي، ولا حتى بالخطة التقليدية للإعلان المسرحي.. نجدهم مهتمين أكثر بمرور العروض المتفق عليها، لرفع تقرير الى الجهة الوصية والانتقال الى الانتاج الموالي وهكذا.. أية مأساة هذه !!!! إن لمدير الإنتاج وظائف عدة من بينها ومن أهمها التخطيط المبكر للترويج والتسويق للعمل المسرحي والتخطيط الجيد للإعلان عنه. لكن، بين المنتظر والواقع بون شاسع.
إن الخطط الترويجية التي توضع للمنتجات والتظاهرات المسرحية عندنا، تبدو غير مدروسة بالشكل الأمثل، كما تغيب اللمسة الإبداعية في تصميم الإعلان الالكتروني. مع عدم استخدام برامج وقوالب تصميم محترفة.

والحق يقال، إننا لا نزال نلمس إحجاما من قبل المؤسسات المسرحية عن الانخراط الكلي في الحياة الرقمية، وكأن الرقمي بعبع، وربما يكون مردّ هذا الاحجام نقص الأفكار، الكفاءات والإرادة أكثر منه نقصا في الامكانات المادية.

المسرح ورجال الأعمال:
لرجال الأعمال دور بالغ الأهمية في دعم وتعزيز الثقافة ومنتجاتها وفعالياتها، فبعث مشاريع ثقافية جادة من قبل رجال الأعمال ينعش الاقتصاد الثقافي ويجعل الثقافة موردا مهما في التنمية الاقتصادية للبلد. إن رجل الأعمال الذي يحب المسرح، سيأتي لوحده ليستثمر فيه، أما المتخوف من عدم تحقيق المردود الربحي من استثماره في الثقافة؛ فسيصل بعد تفكير جدي في الموضوع إلى أن الأثر الاجتماعي البارز للفن، سيمنحه انتشارا أكثر وسمعة أطيب باعتباره ساهم بشكل كبير في انتشار قيم ثقافية، مسرحية سامية.

يحتاج العمل المسرحي كغيره من الأعمال والمنتجات الثقافية الأخرى خطة ترويجية مضبوطة تمكّنه من الوصول إلى الجمهور، وقبل هذه المرحلة هو يحتاج دعما ماديا، ففي الجزائر يكون الاعتماد الكلي على الوزارة الوصية لتوفير هذا الدعم، من دون أن نجد لرجال الأعمال مثلا المساهمة في تمويل الأعمال المسرحية ولا الفنية الأخرى.

ولعل العلاقة الفاترة بين المنتج المسرحي ورجل الأعمال مردها الذهنيات الخاطئة والأفكار المسبقة لكل طرف عن الآخر. فكل طرف يقابل الثاني باستعلاء وفوقية. وهو ما يجعل أر ضية النقاش والحوار فيما بينهما صعبة.

يحتاج الموضوع إلى تغيير العقليات والمعتقدات الخاطئة، وبناء عهد جديد لعلاقات تبادلية ناضجة، ولعلنا نركز هنا ونبدأ من صاحب المنتج المسرحي الذي يتعين عليه أن يقصد رجل الأعمال لتمويل مشروع مسرحي وفي نيته حقا أن يكون هذا الممول شريكا حقيقيا، لا مجرد ممول يضع اسمه او اسم وعلامة شركته في الملصقة فحسب. من هنا ينشأ التواطؤ الجميل بين الطرفين. بحيث يكون الممول أيضا شريكا في اقتراح ما يراه من أفكار تخص العمل، وبناء وتنفيذ الخطة الترويجية للمنتج أو التظاهرة التي دخلها بماله.

من جانبها؛ وزارة الثقافة أيضا مطالبة بالتعامل مع ملف الاستثمار الثقافي بالعقلية نفسها التي تتعامل بها وزارة الرياضة مع هذا الملف. إذ يتوجب عليها حث ومساعدة رجال الأعمال لدعم الثقافة والمسرح، بمنحهم امتيازات معينة.
ولاكتمال الحلقة، نرى أنه لم يعد من بد لتغذية استمرار مقولة مجانية الثقافة. والتخويف والتحذير من اقتران الثقافة ومنتجاتها بالربحية. فعلى الجميع الإيمان بعدم وجود ضدية بين الثقافة والتسويق.

وفيما يلي نقدم بعض المقترحات والحلول والأفكار لمواجهة مشاكل التسويق التي تعترض المنتج المسرحي:

 بناء حملات ترويجية عبر وسائط اعلامية مختلفة، فمن المهم جدا بناء خطة محكمة للإعلان المسرحي على الموقع الإلكتروني للمؤسسة وصفحاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعبر موقع يوتيوب وحتى في تطبيق للهواتف الذكية. وذلك باستخدام الوسائط المتعددة التي تعرف بأنها اجتماع وسيطين فما فوق.

 تنظيم معارض للصورة المسرحية، فالصورة المسرحية تسوق العرض وتوثقه. وهي فوق ذلك كله؛ منتج فني يستحق الوقوف عنده للتسويق له في حد ذاته.

 عدم التخلي عن الطرق والوسائل القديمة منها البراح وطريقة التسويق لعروض السيرك.

 خلق وكالة لتسويق الأعمال المسرحية تعمل على توزيع العروض والتسويق لها. وتقديم معلومات عنها، ويكون لرجال الأعمال الدور الفاعل في تفعيلها.

 تصميم تطبيقات خاصة بالهواتف الذكية للعروض ومسار انتاجها وحتى تطبيقات خاصة بالتعاونيات والمسارح لتقديم خطط الانتاج الجديد وتفاصيل عن كل انتاج لتسويقه بالشكل الأمثل.

 التركيز على الاتفاقيات مع الشركاء المحيطين بالمسارح وزارة النقل، التربية والتعليم، التعليم العالي والبحث العلمي، السياحة، وغيرها لتقديم خدمات تسويق للعروض ضمن فضاءات النقل والجامعة والمركبات السياحية والفندقية ولتوفير تذاكر عروض في تلك الفضاءات.

 إدراج تذكرة مسرح ضمن برامج الرحلات السياحية التي تنظمها وكالات السياحة والأسفار.
 تذكرة مسرح ضمن برامج الجولات السياحية داخل البلد. وترتيبا على ذلك؛ تعمل المسارح على برمجة مرافقة لكل ما يجري في محيطها.

 إطلاق قناة للمسرح أو حصة مسرحية دائمة غير مناسباتية، غير تقليدية الطرح والتصميم. تتابع حركة الإنتاج، العروض، الفعاليات وكل مفاصل الحياة المسرحية.

 القائمون على الصفحات الخاصة بالمسارح عبر مواقع التواصل الاجتماعي -خاصة- ملزمون بناءً على انخراطهم في هذه الشبكات وبحكم شروطها وأهمها التفاعلية بالرد على المستخدمين، وبالتحديث المستمر وتنشيط الصفحة بما يتماشى ومختلف الفترات والمناسبات.

 حل المشاكل المترتبة عن غياب وقلة الجمهور بسبب عدم توفر النقل. وعدم توفر مواقف السيارات وغيرها.

 الإشهار وقت الذروة، وتمرير ومضات إشهارية لعروض فنية ومسرحية في هذا الوقت؟

 تنظيم مسابقات للجمهور لتقييم الأعمال المسرحية التي تابعوها. ومن التقييمات المحصلة نربح تقييم الجمهور ونقدم لاحقا مكافآت لعدد من المشاركين في التقييم عن طريق السحب.

 إنشاء بوابة الكترونية تحصي وتجمع كافة المسارح والجمعيات والتعاونيات بانتاجاتها.

 تقديم عروض في مناسبات الأعياد مثلا. عروض عيد الفطر وعيد الأضحى على غرار ما هو حاصل بعدد من الدول العربية، فهذه المناسبات موعد مهم للتسويق للعروض المسرحية، خاصة عروض الأطفال.

 استحداث بطاقة ولاء تمنح للمتفرجين الأكثر ترددا على المسارح وعروضها، والاعلان بشكل شفاف وواضح عنها ليستفيد منها المتفرجون الحقيقيون. وتمنح امتيازات وخدمات وهدايا للمتفرجين الأوفياء بشكل يتم تدارسه ووضعه وفقا لإمكانات كل مسرح وحتى الجمعيات والتعاونيات.

 تفعيل مشاركة رجال الأعمال في إنتاج وترويج العمل المسرحي وفعاليات المسرح المختلفة بجعلهم شركاء دائمين يؤسسون مع المثقفين اقتصادا إبداعيا وصناعة ثقافية (مسرحية)، لا مجرد منفقين لأموالهم بمناسبات معينة.

خلاصة:
مهما قدمنا من حلول وبدائل لجذب الناس، فإنه يتوجب علينا قبل ذلك الاشتغال على جودة المنتج، هذا ما يجعل لكل تلك الحلول مكانا على أرضية صلبة. فالمرء اليوم يملك خيارات كثيرة متاحة بين يديه ويصعب زحزحتها بخطة تسويقية محكمة لمنتج فارغ.

بالإضافة إلى ذلك، يتوجب الاهتمام بالمسرح المدرسي والجامعي، ومنحهما الدعم والرعاية اللازمين، لأنهما الكفيلان بتربية جيل يقدر المسرح ويقصده من دون أن نتعب في توجيهه إليه.

كنزة مباركي/ الجزائر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح