أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / التأليف المسرحي ومحنة الجوائز : وليد علاء الدين

التأليف المسرحي ومحنة الجوائز : وليد علاء الدين

 

 

المصدر : العرب : نشر محمد سامي موقع الخشبة

علينا أن نعيد القيمة إلى التأليف المسرحي بوصفه إبداعًا مستقلًا، وليس مجرد مدخل أولي لعرض مسرحي. المؤلف الذي يكتب للخشبة يظل محدودًا بتصوراته عنها، وهي محدودة مهما اتسعت ومهما بلغت درجة انغماسه وخبرته في المسرح.

بعد إعلان جوائز المهرجان القومي المصري للمسرح، وحجب جائزة “أفضل مؤلف صاعد”، بحثت على الانترنت وعلى موقع المهرجان القومي للمسرح وموقع وزارة الثقافة عن شروط التقدم لنيل هذه الجائزة التي تُمنح للـ”صاعد” وللأسف لم أجد.

بالمنطق العام لن يخرج الأمر عن ثلاث صور: الأولى أن الاختيار يتم من بين العروض المسرحية المشاركة في المهرجان.

وهو في رأيي المتواضع أمرٌ يُعيدنا إلى إشكالية المسرح بين النص والخشبة. فإذا كنا نتحدث عن جائزة أفضل “مؤلف” فليس من الإنصاف أن نحكم على نص المؤلف بعد مروره بكل هذه الفلاتر الفنية وصولًا إلى العرض على الخشبة. فماذا لو أخفق كل هؤلاء وكان النص في أساسه ناجحًا!

إذا كان هذا هو واقع الحال في جائزة “التأليف” في أكبر مهرجان مسرح في مصر، فإنها إشارة إلى أن العقلية التي تدير الأمر متوقفة عند اللحظة التاريخية التي سبقت الجدل الذي أثاره توفيق الحكيم رحمه الله عن المسرح بوصفه نصًّا وعن كون الكتابة لخشبة الذهن هي القائد لنجاح خشبة المسرح. ولا يصبح -والأمر كذلك- حجب الجائزة حكمًا على ضعف حركة التأليف المسرحي بل إدانة للعقول التي تتحكم في المشهد المسرحي الرسمي.

وإذا لم تجد اللجنة بين العروض التي سمحت بمشاركتها عرضًا يستحق جائزة أفضل مؤلف، فعلى أي أساس اختارت هذه العروض للمشاركة في المهرجان؟ إنه في الواقع وضع يستدعي مراجعة شاملة لمنظومة المهرجان ومسابقاته ومفاهيمه.

وعليه فإنني أستبعد هذه الصورة رغم أنها الأقرب إلى واقع ما يحدث، إلى حين توفر المعلومة.

ننتقل إلى الصورة الثانية، وهي أن الاختيار يتم من بين نصوص يتقدم بها المؤلفون أو الناشرون وفق شروط تتعلق بالسن مثلًا -مستوحاة من كلمة صاعد!- أو باللغة، أو بشروط تتعلق بالقضايا التي تعالجها النصوص المسرحية.

ولو كان الأمر كذلك فإن حجب الجائزة -أيضًا – يصبح حكمًا على فشل المهرجان في استقطاب نصوص مسرحية راقية، إما بسبب تراجع مستويات الثقة “فنيًا” في ذائقته وابتعاده إلى حد الانفصال عن المؤلفين الشباب (مستوحاة أيضا من كلمة صاعد) وما يقدمونه من كتابات تحاول تحريك بعض جوامد المسرح المصري التي توقفت في معظمها عند استلهام الغربي أو استدعاء التراث، وإما بسبب تراجع مستويات الثقة عمومًا في كل مؤسسات الثقافة الرسمية التي أثبتت أنها تغرد خارج سرب الشارع والمجتمع. وهو أمر يحتاج إلى وقفة مراجعة شاملة لمعرفة أسباب هذا الانفصال ومعالجتها.

الصورة الثالثة والأخيرة، هي أن يتم الاختيار من خلال رصد شامل لحركة التأليف المسرحي المنشور على امتداد فترة زمنية معينة، أو بشروط محددة تتعلق بكمّ أو نوع ما ينتجه المؤلف لكي يمكن تصنيفه صاعدًا وتأهيله للمشاركة في الجائزة.

هذه الصورة صعبة التحقق بل مستحيلة التنفيذ، خاصة مع ما نعرفه عن الواقع المترهل لمؤسسات الثقافة الرسمية في مصر. لكن، ويا للمفارقة هي الحالة الوحيدة التي يُسمح معها لرئيس لجنة تحكيم جائزة أفضل مؤلف صاعد -مهما كانت شهرته وخبرته- بالحديث عن عدم وجود مؤلفين جديرين بجائزة أفضل مؤلف صاعد!

علينا أن نعيد القيمة إلى التأليف المسرحي بوصفه إبداعًا مستقلًا، وليس مجرد مدخل أولي لعرض مسرحي. المؤلف الذي يكتب للخشبة يظل محدودًا بتصوراته عنها، وهي محدودة مهما اتسعت ومهما بلغت درجة انغماسه وخبرته في المسرح.

مع تكرار الكتابة لخشبة المسرح يتحول المؤلف إلى مجرد ترس في آلة يشعر بضآلته داخلها فيكتب على قدر هذه الضآلة. والمؤلف الحقيقي لا يمكن أن يكون ترسًا ولا ينبغي أن يشعر بالضآلة. إنه ماكينة إنتاج رئيسية منتجها صالح للتداول الفكري والقراءة، به متعته وله لذته ودهشته المتحققة بالفعل. ليس مجرد نص مكتوب من أجل خشبة محددة الملامح وجمهور محدد الصفات ينتظر التحقق فقط فوقها ولهذا الجمهور. إنما نص إنساني إبداعي متفجر، يزداد ألقه وتفجره بلمسات مخرج لا يقل عن مؤلفه في الثقافة والوعي والإبداع فينتقل به إلى مساحة اتصال أخرى على خشبة المسرح مضاعفًا من حضوره بالتأويل مستعينًا بفنون مبدعين آخرين في مجالات عديدة.

هذا ما نحتاج إليه وإلا فقدنا المسرح، وانغلقت علينا –أكثر وأكثر- دائرة التكرار التي سقطنا فيها منذ عشرات السنين، نعيد القديم أو نستلهم تجارب الآخرين بفرح وفخر وكأننا نعيد اختراع العجلة، ونتعجب من انصراف الجمهور، نتحدث عن تجارب محنطة كأنها إنجازات خارقة، ونقدم التجارب المحفوظة وكأنها ابتكارات خرجت لتوها من أفران الإبداع ونتأسف لتراجع الحركة المسرحية، نثبت الكادر على لقطة تنتمي إلى تاريخ مختلف وبشر مختلفين لم يعد أحد يكتب مثلهم لأنهم ببساطة كانوا يكتبون لبشر آخرين، ونندهش: لماذا لم يعد لدينا مسرح مثلما كان!

ادعموا التأليف للمسرح بوصفه إبداعًا مكتوبًا، واتركوه يستقل وينفصل ويحظى بحركة نقد جيدة، وانتظروا فسوف تثمر التجارب النصية تجارب مسرحية متألقة تشبه النبض الذي يسري في أوردة مصر، والذي -بلا أدنى شك- يختلف كثيرًا عن النبض الذي يحاول البعض تحنيطه من فترة ستينات القرن الماضي أو ربما قبلها.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين – وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *