أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / أيام الشارقة.. عروض بنكهة الحرية

أيام الشارقة.. عروض بنكهة الحرية

 

 

عندما نتأمل المسرح نتأمل الحضور الفكري والجسدي للمجتمع؛ حاضرا بصورة استثنائية هنا والآن يعلن باستمرار عن قابليته لتبدد بوصفه حضورا لحظيا متجسدا وعن ديمومته كأثر لا يتوقف عن العمل في الذاكرة والروح والوعي، عندما ننظر إلى العمل المسرحي لا نرى فقط ما يقوله إنما نرى أيضا ما لا يقوله، نرى المضمر والمسكوت عنه وهو ما يجعل المسرح والفن مرآة كاشفة، جاءت الدورة التاسعة والعشرون لمهرجان أيام الشارقة المسرحية الذي أقيم في الفترة من 19 إلى 27 مارس، بعدد من العروض المشغولة بقضايا الحرية، انتهت أغلبها بتحرير البطل عبر فعل «الخروج»، لمواجهة شرط الوجود خارج منظومات الحماية الاجتماعية وسلطتها حيث ينفتح أفق ما بعد الحدث الدرامي بعدد من الاحتمالات متروكة للمتلقي، في عرض “أحمد بنت سليمان” المقتبس عن رواية الطاهر بن جلون “طفل الرمال” إخراج أحمد الأنصاري، تتفجر المفارقة الأساسية المتعلقة بمشكلة النوع بدءا من العنوان في التناقض بين “أحمد – بنت”، النوع بنت يقع بين المطرقة والسندان بين الأب والابن الذكر، يسجن الأب ابنته منذ الميلاد في هوية وثياب ذكر وبينما تتفاقم الأزمة للفتاة التي عاشت بهوية ذكر ينتهي صراعها بخروج مجهول إلى موقف وجودي يمتد إلى ما بعد الحدث المسرحي لتقرر من ستكون؟ وماذا ستفعل؟ وكيف ستدبر أمورها خارج المجتمع الصغير “الأسرة”؟
وفي عرض “بنات النوخذة” إخراج إلهام محمد، ثلاث أخوات محتجزات في منزل الأب «البحار» منذ صغرهن وهو فضاء رمزي مركب، على مدار تراودهن الهواجس حول الخارج وتكبلهن قوانين الأب الصارمة، لا تنقطع عن آذانهن الطرقات والخيالات، في هذا البيت الساحلي الذي يحاصره صوت البحر نكتشف أن الأب ميت ومتكلس منذ وقت بقدوم مساعد الأب الذي حجب منذ الطفولة، وتأتي العاصفة ويكتشفن أن الأب قد مات وأن عليهن أن يخترن إما أن يبقين أو يخرجن، فتبقى منهن اثنتان وتخرج الثالثة مع الحبيب القادم من عالم الطفولة، تخرج لتواجه العالم بسؤال العرض “هل ستنصاع لنفس نمط العلاقة مع الحبيب ليحتل محل الأب، أم أنها ستخرج إلى حيث وجودها الخاص؟!”.
ثم عرض “مغامرة رأس المملوك جابر” للكاتب سعد الله ونوس وإخراج عبد الله راشد، الذي تخلى عبر الدراماتورج عن الخط المتعلق بالميتاتياترو ليصوب نحو حكاية هذا المملوك الذي لا يمتلك الحق في جسده ليصبح جسده ذاته الرسالة التي لا يعلمها، هذه الرسالة تكلفه حياته وفي مشهد مركزي بديع داخل المعزل حيث يتخيل المملوك حريته فيما بعد تسليم الرسالة وتقترن الحرية باستدعاء الحب وأحلامه حول حبيبته، يتعلق في أرجوحة بوسط المسرح بين إعتام لا ضوء فيه على مشهد التحليق، كما لو كان عصفورا طائرا في مجهول سرمدي يلقي قصديته، ليضعنا العرض في مواجهة للحظة متخمة تتجاور فيها الحرية والعبودية، المادي والروحي، الواقعي والمتخيل، ويطرح العرض سؤال “هل الحرية مفاهيم مطلقة أم أنها فعل وممارسة؟ هل سينال الحرية من قايض على رأسه؟ هل سيمنح المملوك رأسه لينال حريته؟
ثم عرض “مجاريح” إخراج محمد العامري الذي يضع سؤالا مركبا للحرية، من الذي يمنح الحرية؟ هل الحرية تمنح أم تقتنص.. منحة أم معركة؟ يقدم العرض مستويين للسرد متحاذيين أحدهما في الماضي حيث يحاول فيروز «العبد» حيازة حريته والزواج من امرأة حرة، والمستوى الآخر في الحاضر حيث يفرض سلطته على ابنته ويرغمها على الزواج، هذه الابنة هي نتاج تجربته هو مع حريته، حتى هذه اللحظة يبدو السرد بسيطا وكأنه فقط يرصد كيف يتحول المقهور لقاهر ما أن تتبدل المواقع، حتى يتكشف ما يعقد العلاقات بين الأشخاص وبين فكرة الحرية، ويأتي الجواب أن من منح فيروز الحرية هو المستعمر “الإنجليز”، فهل هذه هي الحرية؟ هل حقا ناضل فيروز من أجل حريته أم من أجل سماحيات أعلى قليلا؟ وكأنه يرتقي سلم العبودية لا أكثر، وبهذا ينقلنا العرض إلى مستويات أكبر وأعقد، لنتحرك من عبودية مجتمع العبيد إلى عبودية مجتمع تحت وطأة الاستعمار، ويؤمل العرض على الفرد، بأن مسيرة الإنسانية موصولة بأولئلك الذين ناضلوا من أجل حرياتهم، وينتهي بخروج الابنة مدافعة عن عالمها الخاص.
في مستوى آخر لسؤال الحرية يتعلق بسطوة معرفتنا بأنفسنا علينا، الاحتجاز في صورة الذات الآمنة، والارتكان لثوابت زائفة عن الذات تعطل اكتشافها للعالم وتفاعلها معه، هذا ما يتناوله عرض “الساعة الرابعة” إخراج إبراهيم سالم من خلال مجموعة من المرضى النفسيين في انتظار الطبيب، وفي تفاعلهم مع بعضهم تنكشف حقيقة وهمية المرض النفسي، ومع نهاية العرض نكتشف أن الطبيب الذي تأخر كان متنكرا في هيئة المريض ليساعدهم على البوح والتفاعل كما في جلسات العلاج الجماعي «Group therapy»، وعبر تقنية المسرح داخل المسرح التي يقوم بها الطبيب عبر أدائه لدور مريض يستطيع تحريرهم من أمراضهم.
أما في عرض “العرجون القديم” الذي يدور حول فتاتين هاربتين من الماضي مرتحلتين بعربة تحوي ماضيهما «الأب/ الأم/ دمية للرجل»، وهنا أيضا نجد قضية الرغبة في التحرر من الماضي هي باعث الدراما، غير أن هذا الماضي يظل جاثما بسلطته ما لم يتم تصفيته والتصالح معه.
أما عرض “تلايا الليل” تأليف وإخراج مرعي الحليان، فإنه يركز على مسألة الاختيار بين لحظتين منقطعتي الصلة، يتناول العالم من وجهة نظر بطل حبيس اللافعل، اللااختيار، “عبد الله” البطل الهاملتي الواقف أمام سؤال إلى أي مكان وزمان ينتمي، وما هو فعله الذي سيحدد كينونته، ليعيش البطل في صراع ما قبل الفعل، التأمل والحكم، ولذلك يدور العرض في لحظة مجردة يمكن أن نعتبرها ذهنية في رأس الشاب، الواقف في منطقة المثالية الهاملتية في تقسيم العالم لمنطقتين وهو تقسيم مثالي غير موجود في الواقع المشتبك والمتداخل، ويقف هذا البطل في المنطقة الفاصلة بين عالم العائلة المستقر والساكن، وعالم الحبيبة فتاة الإعلانات المواكبة للعصر الرقمي التي تخضع لقوانين الاستهلاك والسوق وهو متغير ومضطرب، يعاني الشاب الرفض من الطرفين وعدم المواكبة لكليهما، غير أنه ينحاز لعالم العفة الطفولي الذي تعبر عنه الأسرة.
فيما يأتي عرض “بذور الشر DNA” تأليف وإخراج مهند كريم، بالصورة الأخرى المقابلة لمثالية البطل في تلايا الليل، لنجد البطل هنا مثاليا أيضا ينتقد منظومة القيم ولكنه يتسم بالعنف والتطرف يحتجز مجموعة من الناس في قاعة ليقوم بتصفيتهم على طريقة ألعاب الفيديو، ليعكس العرض أفق مجتمعات الاستهلاك ويقدم تصورا للإرهاب لا يقتصر على الأفكار إنما هو نتاج لمجتمع الاستهلاك وحيث الفرد المتشيئ الذي يثمن وتدخل تجربة الاستهلاك كتجربة وجود لا تكتمل الذات بدونها ولا تشبع أبدا منها.
أما عن عرض “بوشنب” تأليف أحمد الماجد، إخراج حسن رجب الذي تناول في إطار كوميدي كيف تقع أسرة في خدعة للاستحواذ على حياتها ومنزلها باختلاق أكذوبة أن لديهم نمرا في المرحاض، وتساهم كل الجهات الرسمية في ترسيخ هذه الأكذوبة ليكشف العرض عن فساد مؤسسي كامل.
من السمات البارزة، أولا: حضور النص المؤلف محليا ما كان لأحمد بنت سليمان – تأليف ناجي الحاي، العرجون القديم – تأليف علي جمال، مجاريح – تأليف إسماعيل عبد الله، الساعة الرابعة – تأليف طلال محمود، مزيد من الكلام – تأليف صالح كرامة، تلايا الليل – تأليف مرعي الحليان، بذور الشر  DNA –تأليف مهند كريم، بوشنب – تأليف أحمد الماجد، بنات النوخذة – تأليف باسمة يونس، صينية الشقور – تأليف حميد فارس.
وجود هذه النصوص المؤلفة هنا والآن يعزز نمو المسرح كنشاط يعبر عن الذات الاجتماعية بكل خصوصيتها، وهذه النقطة تعيدنا لدعاوى أخرى بدأت من الخطاب الاستعماري وصولا للعولمة وهي فكرة أن كل نص يصلح ليعبر عن كل إنسان، والحقيقة إن هذه النقطة بقدر ما فيها من إنسانية إلا أنها تهشم مفهوم الإنسان بمعناه الغيري المختلف، ربما نتماس ونتأثر بشكل عام مع النص الجيد بمعناه العالمي ولكننا ندرك ذواتنا عبر التفاصيل الصغيرة المختلفة والخاصة التي تصيغ معادلة الوجود هنا والآن. من ناحية أخرى وجود النص المؤلف محليا ويؤكد على الاتصال الآني بالجمهور وأسئلته ومشكلاته الخاصة التي تهمه ويعايشها. ولكن هل استطاعت بالفعل كل النصوص، ونقصد هنا نص العرض، الوصول لغايتها؟ هذا هو السؤال الممتد الذي يخص كل متفرج. عدد من العروض استطاعت أن تخلق مساحة من الجدل الحقيقي، ومنها على سبيل المثال نص “مجاريح” الذي رصد عبر حكاية فيروز وابنته تحولات المجتمع عبر أزمنة وتكوينات طبقية مختلفة، غير أن ارتكازه على اللهجة العامية الإماراتية والاعتماد على المونولوجات والديالوجات الطويلة عطل الاستجابة في كثير من الأحيان. بينما نجد عرض “”أحمد بنت سليمان” يناقش مشكلات المجتمع القبلي المتمسك بالأبناء الذكور وينحاز نص العرض بقوة لحق الفتاة إلا أنه يقع في رؤية حدية للعالم فيضع الأب في وضع الظالم مطلقا ويفوت قضية الميراث التي هي هم هذا الأب، خوفه المشروع من أن يتدخل آخرون في الميراث لأنه لم ينجب ذكورا، كما فوت نص العرض الذي يتضمن الأداء التمثيلي وتوجيهات الإخراج للممثل، رصد عمق قضية التحول الجنسي الاجتماعي التي هي أعلى من مجرد الوجود البيولوجي، فركز العرض على اكتشاف النوع الأنثوي عبر «الحيض» واعتبر ضمنيا أن الوجود البيولوجي هو صك النوع متجاهلا الممارسة الجيندرية وكيف تؤسس للنوع بالمعنى الوجودي.
ثانيا: تميز عنصر السينوغرافيا، جاءت أغلب العروض برؤى سينوغرافية خاطفة مثيرة للانتباة، معتمدة على تشكيل الفضاء المسرحي عبر الإضاءة بدون كتل ضخمة ثابتة، وهو ما جعل الخشبة نابضة بأسئلة لحظية حول المكان والزمان دون توقع لما سيؤل له المنظر المسرحي، وبالتالي الحدث، وكثيرا ما خلقت السينوغرافيا بالفعل نص عرض مكملتا لأطروحة العرض ومشتبكة معها بالدرجة التي تسمح لنا أن نتواصل فعليا مع نص العرض فقد ساهمت سينوغرافيا الكثير من العروض في خلق حلول جمالية ودلالية محاذية للنص المنطوق أو الحواري، ففي عرض العرجون القديم تأتي السينوغرافيا لتضفي جو سحري خاص ينقل النص لمنطقة أسطورية، فيقد قام النص المفلوظ على مفارقات ميلودرامية يمكن تلخيصها في الفجائع المبالغ فيها والمفاجأة المتعلقة بتاريخ الشخصيات وفي مفارقة علاقة الشاب الغريب بالأخت الصغرى التي تبدو كحل سحري يأتي في آخر لحظة ليوجد الحدث ويحرر النص من اللحظات المبنية على المكاشفات واستدعاء التاريخ الخاص بالشخصيات، رممت السينوغرافيا شديدة الذكاء مشكلة السرد المبني على الحكي والتشخيص، فالنص الملفوظ يقوم على استدعاء الماضي والحدث الآني الوحيد – رحيل الأخت الصغري مع الغريب اكتشاف تواطؤها – يأتي في نهاية العرض، تأجيل الحدث والاعتماد على الملفوظ قد يؤدي لملل محتمل تغلبت عليه الرؤية السينوغرافية بحلولها الجمالية، فضاعفت عمق المسرح بالضوء القادم من العمق ومن جانبي المسرح بحيث شكلت مشهد ليل خارجي يوحي بضياع الفتاتين بعربتهما، بالإضافة للعربة التي تخرج منها الشخصيات المستدعاة في الحكي مثل الأم والأب، المحاطة بأربع أجنحة استخدمت استخدامات كثيرة كأن تقسم مقدمة المسرح لتضيق الخشبة في مشهد الاغتصاب، وفي مشهد الحكي والتشخيص الذي أدته الأخت الصغرى، فقد حلت السينوغرافيا مشكلات الانتقالات المكانية والزمانية، بالإضافة إلى أنها ساهمت في خلق الجو النفسي لكل شخصية ولكل لحظة كما خلقت مزاجا عاما مختلفا للعرض كاملا.
بينما في عرض “مجاريح” جاءت الخشبة مقسمة لنصفين يمكن اعتباره تقسيما طبقيا وزمنيا، بالإضافة إلى التأكيد على التقسيم الطبقي بين العبيد والسادة في الأزياء، في حين ركز العرض على طبقة العبيد وجعل من الجوقة الموسيقية التابعة لفيروز هي السلطة الأكثر استحواذا سواء كحضور جسدي أو صوتي بينما همش صورة مجتمع السادة، ليذهب بفكرة البناء الطبقي والعرقي إلى أعمق نقطة ممكنة ويتحول العرض من دائرة الإنجليز إلى السادة إلى العبيد إلى نظام قمعي داخل مجتمع العبيد، وقد اعتمد العرض على رمز مركزي هو محور مجموعة العلاقات هو الكتلة الحديدية الخاصة بالإنجليز التي منحت الحرية لفيروز، هذه الحديدة لم يؤسس لها معرفيا لجمهور لا يعرف هذه الحكاية التي عبرت داخل العرض عن كود اجتماعي مشترك مما استدعى التلويح لماهيتها داخل فضاء العرض، بالإضافة إلى أن حضورها المؤقت رغم أنها رمز مركزي، ورغم أن الفضاء المسرحي مجرد يضعنا أمام سؤال لماذا لم يبقها طوال العرض أو أن يدعها معنى أكثر منها حضور مادي؟
من الملاحظ أيضا الفضاء المجرد لعرض تلايا الليل غرفة بيضاء يسقط عليها من أعلى في أغلب الأحيان ظل أزرق “لشراعة حديدية” ليصبح المنظر المسيطر على الخشبة في أغلب الوقت مشهد انعزال، مساحة بيضاء تشير إلى الوجود اللامادي، ولذلك اعتمدت السينوغرافيا على إسقاط الظلال على الخلفية البيضاء، كما نجد عرض “بذور الشر” يقدم مساحة دائرية، الجمهور على محيط هذا القرص الذي يوحي بالحلبة أو استديج للرقص بملهى ليلي، بلا أي ديكور سوى أغراض للاستعمال، وساهم تصميم المكان بهذه الطريقة بتوريط الجمهور كجزء من لعبة العرض باعتباره مخطوفا.
تميزت أيضا هذه الدورة بحضور كثيف للمرأة، مؤلفة باسمة يونس، ومخرجة إلهام محمد، ومصممة ديكور وأزياء ومكياج نصرة المعمري، وعدد من الممثلات المتميزات ربما كن الأكثر تميزا، ومنهن على سبيل المثال بدور محمد وريم الفيصل من عرض “العرجون القديم” حيث استطاع المرور من مستوى الأداء إلى الحكي إلى التشخيص بمهاراة فائقة. بالإضافة إلى أمل حسن من العرض نفسه، وبدور في عرض “مجاريح”.

 

ليليت فهمي

مسرحنا

عن Administrator

مسؤول الإعلام الالكتروني في الهيئة العربية للمسرح ومحرر الموقع