أخبار عاجلة
الرئيسية / الهيئة العربية للمسرح / مقالات / “أدرينالين”: حكاية امرأة متسرطنة في مجتمع المتسرطنين – بقلم: عبدالرزّاق الربيعي #عمان

“أدرينالين”: حكاية امرأة متسرطنة في مجتمع المتسرطنين – بقلم: عبدالرزّاق الربيعي #عمان

بقلم: عبدالرزّاق الربيعي

من بين ستة عروض شاركت في مهرجان “المونودراما” الثاني الذي أقامه النادي الثقافي بصلالة، اخترت الكتابة عن عرض الفنانة الأردنيّة أسماء مصطفى “أدرينالين” ليس كونه الأميز من بينها، لكنّ لتكامل عناصر العرض به: نصّا، وإخراجا، وأداء، وهذه المهمّات الثلاث حملتها الفنّانة أسماء على عاتقها، إلى جانب مكملات العرض من صوتيّات، وإضاءة، وأزياء (سبق لها أن درست عام1994 تصميم أزياء وتصاميم )، وسينوغرافيا (قام الفنان يوسف البلوشي بتصميم الكرسي الذي ظهر بالعرض) .
و(الأدرينالين)، هرمون يفرزه الجسم بحالات الطوارئ، كنوع من مقاومة الألم للاستمرار في البقاء، وللعنوان دلالات عديدة حين نغوص في تفاصيل العرض الذي يتحدّث عن ممثّلة تصاب بمرض سرطان الثدي، ويتم استئصال ثديها، وترك زوجها لها، فتتضاعف معاناتها، هذه المرأة تعاني من الوحدة، فتسترجع شريط ذكرياتها، منذ طفولتها، وتهجيرها إلى وطن آخر، ونتعرّف عليها أكثر عندما تتحدث عن ابنها الذي ابتلعه البحر في محاولة له لعبوره بهجرة غير شرعية، فتقدّم واحدا من أجمل مشاهد العرض، وأوجعها، خصوصا أنها صنعت من حصى تضعها في إناء صوت أمواج البحر، وتتحدث عن زوجها وحبيبها الذي كان فنانا تشكيليا، ولكنه انتمى إلى جماعة إرهابيّة، فهجرها، لتكون نهايته تفجير نفسه في السوق، مسقطا الكثير من الضحايا الأبرياء، فتقف وجها لوجه أمام سرطانات المجتمع المتمثلة بالمتطرفين، وترى أنّها أشد خطورة، وفتكا، بالمجتمعات البشريّة، وأكثر ألما من جرعات الكيماوي، والعلاج بالإشعاع، بعد استئصال ثديها، وألمها لما يمثّله من عنوان من عناوين الأنوثة، ووعاء لذكرياتها.

تعرية للمجتمع

وكل ذلك جاء من خلال الأداء الحركي، والتعبيرات التي ترتسم على الوجه، والتلوين في الصوت، الذي جاء عميقا، وصافيا، وحزينا، ويحمل روح التحدّي، فالبطلة لم تستسلم لقدرها، بل قاومت المرض، والظروف المعقّدة التي تحيط بها، وفي هذا العرض تواصل الفنّانة (أسماء مصطفى) مساندتها للمرأة، في كلّ مجتمع إنساني، وخاصة تلك التي تعيش في مجتمع “متسرطن”، كما تصفه في في”أدرينالين”، خصوصا إذا علمنا أن لها تجربة سابقة عنوانها “فوزية” للمخرج سامح حجازي، وسبق لها أن أخرجت مسرحية عنوانها “سليمى”، ناقشت به قضية تضحية تقوم بها المرأة لإنقاذ آخرين، وبلغة مريرة، وساخرة تقول “حياة” بطلة مسرحيّة “ادرينالين” ” أحسست بأنني صرت أنتمي إلى زمني العربي أكثر حين أغدو متسرطنة في مجتمع المتسرطنين” وترى أنّ تلك هي تحصيل حاصل فـ”من الطبيعي أن تُصاب النساء بسرطان وسط حياة الذلّ في العالم العربي”، لذا تقوم البطلة بشرح معاناتها، وتعرية المجتمع، بكلّ أمراضه الفكريّة العضال!، والنظر بعين حزينة إلى عمرها الذي تبدّد كخيط دخان، وكنت أتمنى عدم التدخين على المسرح، لأسباب عديدة من بينها أمنيّة، خصوصا أن كلّ ما يحيط بها من أقمشة خفيفة قابلة للاشتعال!

لمسات إنسانيّة

ومن اللمسات الإنسانيّة الجميلة في العرض، ذكر أسماء مصطفى، أسماء زملاء لها رحلوا بعد إصابتهم بمرض سرطان الحنجرة كالإعلامي الأردني أسعد السيلاوي، والفنان السوري نضال سيجري، والمطربة الفلسطينية ريم بنا، وكلّهم أصدقاء مقرّبون للفنّانة أسماء وقد أحسّت بحكم قربها منهم بمعاناتهم، لتبعث لنا رسالتين الأولى : في باب الوفاء، والثانية: إشارة إلى أنّ القضية التي تناقشها لم تنفصل عن الواقع، وأزماته، من حيث أن المسرح حياة موازية، علما بأنّ سبق لها أن شكّ الأطباء بتعرّضها لهذا المرض، فعاشت جزءا من معاناة المرضى، لذا قدّمته بإحساس عالٍ في تجربة هي الأولى التي تخوضها بالمونودراما، ونالت إعجاب النقّاد، في أماكن كثيرة قدّمته على مسارحها، فقد عُرض (21) مرّة على مسارح عربية في لبنان، وبغداد في افتتاح منتدى المسرح ، وفي المسرح الدائري بالمركز الثقافي الملكي الأردني، وشاركت به في مهرجان “تيرو” الفني الدولي للمسرح بدورته الثالثة بصور اللبنانيّة، وحاز جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل. إضافة إلى عرضه في مهرجان أربيل الدولي للمسرح، وحاز العمل على جائزة التحكيم كأفضل ثيمة مسرحية.

جوائز، وتكريمات

فعندما تعمل أسماء مصطفى التي درست الفنون المسرحية في تونس، وحصلت على شهادة “تكوين” في فن الممثل من مدرسة الممثل بإشراف المخرج فاضل الجعايبي، تلفت لها الأنظار، فقد نالت العديد من الجوائز أهمها: جائزة التحكيم الخاصة كأفضل ممثلة دور ثان، بمهرجان المسرح الأردني 1996 “كأنك يا بو زيد”، ونالت تكريمات من بينها تكريم بيت تايكي العام 2009 عن دورها في مسرحية “صباح ومسا” إضافة إلى تكريم من جامعة لندن الدولية لأصحاب المبادرات الخاصة عن مبادرة “ضحك، ولعب، ومسرح” 2012. ومثلت عددا من المسرحيات من بينها: خمس دمى وامرأة”، و”سندريلا”، و”كيف نرجع أسامينا”، و”شهقة الطين”، و”مرآة المرأة”، و”قبو البصل”، و”عصابة دليلة والزئبق”،

رقص تعبيري

وفي عملها، تشتغل كمن ينحت في صخر، فقد أمضت سنة كاملة في كتابة النص، والاشتغال عليه، بعد ورشة عمل امتزجت به لغة الجسد، والاشتغال الدراماتورجي، والحوار الذي كتب على الخشبة لا على الورق، ليكون على درجة عالية من الاتقان، والمهارة، في الأداء، وجاءت العشر دقائق الأولى صامتة، إذ اعتمدت خلالها، كما في العرض عموما، على رقص “البوتو”، وهو رقص تعبيري، يمزج الأداء الحركي بالتأمل الروحي، والباطني العميق، الذي هو أقرب ما يكون لليوغا، إذ يعتمد المؤدّي على الطاقة الداخلية للجسد، والنشاط الفكري، ضمن إيقاع داخلي، وهذا يتطلّب تدريبات مكثّفة، وقراءة عميقة للوجود، وقد عبّر مشهد الكرسي، الذي وضعت على رأسه قناع الزوج الغائب، عن خفّة ورشاقة في الحركة، وقدرة عالية على التعبير، والرمز، وجاءت الملابس ذات اللون الأبيض منسجمة مع الشخصيّة التي تعاني من المرض، وتحاول بين وقت، وآخر الإطلالة على الحياة، بفستان جميل، يعيدها للعالم الذي حرمها المرض منه، ولعبت الإضاءة دورا في إظهار المشاعر الداخلية ،رغم الإمكانيات المحدودة التي وفّرها مسرح منتزه “أتينا لاند” بصلالة، كلّ هذا رأيناه على الخشبة، فصفّق الجمهور كثيرا لعرض سيبقى في ذاكرتنا طويلا.

الرئيسية – الإفتراضي

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح